المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عشرون ألف قصة لك يا وطن



الصفحات : [1] 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15

القوني
01-11-2010, 11:10 PM
(971)
سافر من قريتهم إلى قريةٍ أخرى مجاورةٍ ونزل ضيفاً عند أحد أقاربه.
في المساء كان الحديث وطيلة جلسة السمر عن العفاريت "أم خرقعينة" أنواعها، أشكالها، بناتها، أماتها، بيتها، أكلها للناس وشرب دمائهم، رائحتها الكريهة النتنة، جلدها المتيبس، أظافرها الطويلة، شعرها المنكوش، أسنانها الحادة.
ثم تفرقوا للنومِ وكان البيتُ حكومياً مسقوفاً بالزنك، والأرضية مبلطة بالأسمنت، وأمام الغرفة برندة مكشوفة مبلطة.
لم يمض وقتٌ طويلٌ من دخوله وإغلاق الباب حتى جاءت العفاريت وبدأت تتجول من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا وعظامها النخرة تحدثُ أصواتاً غريبةً عاليةً شبيهةً بطقطقةِ الأظافر. إتها لا تستقرُ في مكانٍ واحدٍ ولا تكفُ عن التجوال. لا تستريح أبداً وبعضها يدنو من البابِ يلامسه، وبعضها يدفعه بشدةٍ يكادُ يخلعه. والأسوأ من ذلك كله أنها تأكلُ طيلة هذه الفترة. لم تتوقف عن الأكل. قال في نفسه، علها اختطفت شخصاً ما، كان يسير وحده في الظلامِ وجاءت بلحمه تأكله هنا.
كان يرتجفُ بشدةٍ وأسنانه تصطكُ من الخوف. ماذا لو خلعت الباب؟ بل تساءل. هل تحملُ معها ملحاً وشطة؟.. أم أنها لا تستخدمها في أكلٍ اللحم. ثم أنها لا بد أن توجعه كثيراً لو صبت الشطة على لحمه. تحسس يده آلمته وبطنه.
كان البابُ مغلقاً بإحكامٍ وكذلك الشبابيك. لا مجال لدخول الضوءِ والليلُ يمضي ببطءٍ شديدٍ وكأنه توقفَ أو يعودُ القهقرى.
عند آذانِ الفجرِ مرّ قريبه أمامَ البابِ وأدهشه أنه لم يرها. قالَ في نفسه، هي كالشياطين لا يراها الناس.
كان الظلامُ حالكاً في الغرفةِ عندما جاءوا يطرقون عليه البابَ والعفاريت لا زالت تأكلُ وتتنقل. بل اختلطت أصواتها بأصواتهم وهي تقولُ " ماع.. ماع" وهم يقولون "سك.. سك"

ابواروى
02-11-2010, 06:00 AM
ابداع وروعة ......

يسلم يراعك ........

من جد نحن كثيرا ما نعيش داخل اوهامنا .....

ونعرش لها الاسباب ......

دمت بود وعافية ......وزدنا عافاك ....

القوني
03-11-2010, 10:19 PM
(5)
اعتادت أن تُكمل في كل شهرٍ واحداً، وتُرسله إلى خطيبها المقيم في المدينة لحولين كاملين بلا عودة. ظنته مسئولاً كبيراً إن غاب انهارت الدولة. ولو لا ذاك ما عذرته، ولا فاخرت به نداتها. هذه هي.
أما هو، فقد تخرج من الجامعة قبل عامين، ومن يومها ما عاد. آخر عهده بهم يوم جاء يحمل الشهادة وأخبرهم بإكمال الدراسة. يومها احتفلوا. ليومين والقرية ترقص، والطعام وفير، وما نقص الشراب. باع أبوه آخر الأبقار، وبذل ما تبقى من ذرة .ثم عاد من حيث أتى للبحث عن عمل. لا زالوا ينتظرونه ويسألون عنه كل قادمٍ من سفر، وهو لا يزال عنهم يغيب.
في المدينة وجد عملاً. فهو يبيع الماء البارد في موقف الباصات، وأحياناً الأكياس قرب الجزارة.
كلما خطرت له القرية ونوى العودة، زاره طيف أمه وهي تدعو له، والقرية وقد أعياها الانتظار، تفكر في حاله والخيبة، فحزن. وهي لا تغيب له عن بال.
في المعسكر عاملٌ شابٌ مُغرمٌ بها. يغازلها ويتحرش وهي تتمنّع. ولكنها توصيه كلما ذهب أن يأتيها بما يعينها على إكمال مشروعها الشهري.
أمس كان أول شهر. أحصوهم وبدلوا الأرقام. وقد أكملت مشروعها الشهري. ولكنها لا وجدت من بحمله إليه، ولا عرفت العنوان. مسحت به دمعة، ووضعته مع البقية فإذا بالمناديل خمسين.
اليوم الثاني،........
الثالث ليس لها. فهي في معسكر اللاجئين تبحث عن أمان.
والرابع ليس لي. فأنا خارج الوطن أبحث عن طعام.
أما الخامس فهو لكم. أكتبوا. نرجوكم اكتبوا. متنا شوقاً إليكم. متى تتعقلون وإليكم نعود؟

القوني
04-11-2010, 05:42 PM
(504)
في كل صباح وهي في طريقها لمحطة الحافلات تقابله في نفس المكان، ونفس الزمان، ويسمعها نفس الكلام، وتسمعه هي أيضاً نفس الكلام. فقرر أخيراً الانسحاب، فغاب.
بعد عامٍ قابلته صدفةً في نفس المكان، ونفس الزمان. فإذا بقلبها يخفق بشدة. فأسمعته نفس ما كان يسمعها من كلام، وأسمعها هو أيضاً نفس ما كانت تسمعه من كلام.
ـ " لو سمحت. كلمة."
ـ " قلة أدب."
* *
الأشياء المشابهة كثيرةٌ وأنواعها متعددة. ولكن يجمعها كلها عدم سماع كلمة.

القوني
10-11-2010, 08:44 PM
(684)
في تمام الساعة السابعة صباحاً وفي كل يوم، أمر من هنا وأمام هذا البيت فأجدها في انتظاري. ترفع يدها تحييني من بعيد وأحييها فتهديني ابتسامة. يغمرني السرور أكاد أطير.
في كل يوم آتي إلى هنا في نفس الموعد فأجدها في الانتظار. لا أغيبُ ولا تغيبْ. حتى وإن كان اليوم جمعة أو عطلة.
صباح اليوم ليس كغيره من الأيام. ارتديتُ قميصاً جديداً وتعطرت وجئت في الموعد وأنا أحمل لها معي هدية. لأول مرة أسلم على الأميرة يداً بيد. فأسميتها سماح، وسننتها عامين، وأهديتها العروسة، فاهدتني ابتسامة.
ما أجمل "واو" في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وما أروع تلك الطفلة الودودة الوديعة سماح.

القوني
10-11-2010, 08:47 PM
(742)
لم أحس بمحنة الطمبوري وأتعاطف معه، إلا يوم اشتريت سيارة بيجو أبوابها كريسيدا، والمكينة هايلكس، يعلوها شبك أخضر، وأدناها إطارات كجلد التمساح، ولها جلحة وفلجة.
وكنت أتركها أينما اتفق وأذهب "محل ما ترسى تمسى" فكل الأماكن والشوارع تصلح لها مبيتاً. وقد عرفها كل سكان مدينتنا وحتى أهل الضواحي وعرفتهم. بل يعرفونها أكثر مني. فهي من مشاهير المدينة ووجهائها. فكل من يقابلني يسألني عنها، وبعضهم يتهامسون هذا صاحب السيارة. ولكن لم يحدث وعلى حسب علمي أنهم سألوها عني يوماً ولو سهواً.
ثم جرت العادة من بعد ذلك فأصبحت عرفاً يحترمه الجميع. فكلما زار الرئيس مدينتنا يربطونها من أنفها ويقتادونها إلى مكان ما.
في مرة تذكرت مكانها بعد مشقة. وعندما ذهبت لم أجدها. فسألتهم: هل الرئيس في المدينة اليوم؟
قالوا: نعم.
وفي مرة زارنا الرئيس وفي الصباح لم أجدها. قلت في نفسي الحمد لله. ارتحت أخيراً. وذهبت لأشتري خروفاً صدقة وكرامة. وما أن رآني صاحب الخراف حتى بادرني بالسؤال: رأيت سيارتك في المرور. ماذا تفعل هناك؟!
قلت: سلها!!
وفي مرة زار الرئيس مدينتنا فلم أجدها في الصباح. قلت في نفسي، يجب أن أنتهز الفرصة وأتبرا منها. فذهبت إلى إدارة المرور لأتنازل عنها وأخلي مسئوليتي. وما أن قلت لهم: يا مرور، إن سيارتي التي تعرفونها وتعرفكم..
حتى قاطعني أحد الضباط قائلاً: الله.. ذكرتنا. سيارتك في الحفظ والصون. إنها ضيفة عزيزة ومكرمة لدينا. من يفرط في سيارة " الزول؟" خذها فهي في انتظارك.
قلت لهم: شكراً.
وكنت أقصد "الله يوريني فيكم يوم"
لم يفهموا قصدي. ظنونني أشكرهم. فقالوا: العفو.
وفي مرة كان الرئيس سيزور مدينتنا اليوم التالي. فتعمدت أن أتركها في طريقه لا يمر إلا بها. في الصباح وجدتها في مكانها. فقلت لهم: لن يحضر الرئيس.
قالوا: كيف عرفت؟!
قلت: هكذا.
ولم أخبرهم بالسر.
وفي مرة جاء الرئيس عابراً فلم أجدها ولم أبحث عنها. فجاءني أحد الضباط وقال لي: لا تقلق. سيارتك لدينا.
فقلقت. قلت له: ليست سيارتي. فأنا ليس لدي سيارة.
قال: سيارتك.
قلت: ليست سيارتي. ولدي ما يثبت براءتي.
قال: سيارتك.
فشهدت كل المدينة لصالحها وضدي.
تركت لها المدينة. قلت أنجو بجلدي. فأنا الآن على سفينة في عرض البحر وفي غاية السرور فقد تخلصت منها أخيراً. ولكنني أرى من بعيد سمكة قرش بيضاء، تعلوها علامة الأسد، أبوابها كريسيدا، والمكينة هايلكس، يعلوها شبك أخضر، وأدناها إطارات كجلد التمساح، ولها جلحة وفلجة، وهي تدنو مني. اختبأت خلف حاوية، فسمعت صوتاً داخل الحاوية.
فتحت عيني لأتأكد من مصدر الصوت. فإذا بعسكري المرور يقف على رأسي قائلاً: صح النوم يا زول.. أنزل خلينا نسحب السيارة.. الرئيس جاي"

القوني
10-11-2010, 08:51 PM
(1000)
إن اتجهنا شمالاً يتجه جنوباً، وإن اتجهنا جنوباً يتجه شمالاً، وإن اتجهنا شرقاً يتجه غرباً، وإن اتجهنا غرباً يتجه شرقاً.
أعجزتنا الحيلة. لا ندري ما نفعل. فأعدناه كما كان.

القوني
10-11-2010, 08:55 PM
(992)
أشعل "السفة"، بلل السجائر بماء العطرون.
باص الكلالة اللفة، والمقصد العيلفون.
* * *
اعذروا أهل السودان هذه الأيام. فهم مشغولون بأمر الوحدة. ماعدا الحكومة، والمعارضة، والمتمردين.

القوني
13-11-2010, 12:34 AM
(993)
ـ السلام عليكم.. إزيك يا حاجة.. وين الرئيس؟
ـ الرئيس طلع بدري اليوم. مشى يجيب الخضار واللحمة.
ـ خلاص حأجي بعد ساعة. ولا حيمشي اجتماع معارض المنتجات السودانية في الخارج؟
ـ ما حتلقاه. ناس سنة أولى في مدرسة الوحدة رسلوا ليه قالوا عايزنه.
ـ طيب حأجي بعد ساعتين. ولا حيمشي لوداع الفريق القومي المشارك في كأس العالم؟
ـ بعد ساعتين ما حتلقاه. قال ماشي يسلم على ناس خالته.
ـ طيب حأجي بعد تلاتة ساعات. ولا حيمشي لاجتماع الدول البتاخد كهربا من السودان؟
ـ بعد تلاتة ساعات حتلقاه بعوم في البحر تحت الكبري.
ـ طيب أدينا نفطر. من الصباح أنا في المزارع والحواشات.
ـ حبابك عشرة. ادخل على الديوان يا ولدي. أجيب ليك عصيدة فتريتا، ولا بافرا، ولا دخن، ولا قمح؟
ممازحاً: ما عنكم لحمة؟. نجيب لحمتنا معانا ولا كيف؟
ـ الخير باسط يا ولدي. أجيب ليك كوارع، ولا عكو، ولا شية، ولا سلات، ولا مناصيص.
مستاءة: بالله الراجل دا، حايم في حوامته، والناس ما فطروا. والله ما أديه صوتي في الانتخابات الجاية.
ـ السلاااام عليكم. والله جبت ليك خضار ولحمة تكفيك إنت والعيال أسبوع. لقيتها سمحة ورخيصة. ما لا قيا البشتريها. وعملت ليك شكلة مع الجزار.
ـ ماله الجزار المسكين؟ عمل ليك شنو؟!
ـ قلت ليه أديني كيلو، أداني خروفين. هسع بالله دا كله كيلو؟ عايز يخلص عشان يمشي بس.
ـ البلد كلها اجتماعات. ما مشيت ليهم مالك؟
ـ أمشي؟! أمشي أعمل ليهم شنو؟ وليه عملوا وزراء؟!
يلتفت: ودا منو؟
يقف المواطن يلحس أصابعه، ويمسح السمن من كوعه: أنا وزير الزراعة.
ـ وزبر الزراعة؟! وزير الزراعة وقاعد تاكل لي في العصيدة والشية، وتشرب لي في الشربوت، والناس في الحواشات؟.. أكل وبعدين حيكون لي معاك حساب.
ـ الحمد لله شبعت.
ـ على الطلاق تاكل.. يا ولد جيب الملاح.
* * *
السيد رئيس السودان الجديد، وحرمه المصون سيدة السودان الأولى.

حسين محمد يوسف
13-11-2010, 02:53 PM
واصل يا اخي القوني نتابعك جيدا ....

القوني
13-11-2010, 09:07 PM
(677)
لا أحد ينكر نفسه. قد ينكر الناس أسماءهم لأسباب نعلمها جميعاً. أما أنفسهم!! فهذا شيء عجيب. هل سمعت بنملةٍ قالت أنا بعوضة، أو شجرة قالت أنا جمل، أو مزرعة قالت أنا حوض سباحة؟!
لكن هذا حدث في قريتنا بعد أن عانينا وتألمنا من حكومتنا فتآمرنا عليها. قلنا: انكروا أنفسكم. لا تعترفوا أبداً.
عندما عادوا بعد يومين وسألوا الحاجة بتول: هل أنت الحاجة بتول؟
قالت: لا. أنا بقرتها.
وسألوا الحاج محمود: هل أنت الحاج محمود؟
قال: لا. أنا ثوره.
فأخذوا بقرة الحاجة بتول التي هي ـ الحاجة بتول ـ وثور الحاج محمود الذي هو ـ الحاج محمود ـ ولم يطلقوهما إلا بعد أن دفعنا زكاتهما والرسوم.
قلنا لهم: ما أغباكم يا جماعة!! لا تكونوا أشياء عليها ضرائب.
عندما عادوا بعد يومين سألوا الحاجة بتول: هل أنت بقرة الحاجة بتول؟
قالت: لا. أنا مطرتها.
وسألوا الحاج محمود: هل أنت ثور الحاج محمود؟
قال: لا. أنا ولده.
فأرسلوا مطرة بقرة الحاجة بتول التي هي ـ الحاجة بتول ـ إلى السد، وأرسلوا ولد ثور الحاج محمود الذي هو ـ الحاج محمود ـ إلى الدفاع الشعبي.
فاجتمعنا وفكرنا طويلاً وكثيراً هذه المرة. وعندما عادوا بعد يومين وسألونا: هل انتم سكان قرية "ضنب الجمل"؟
قلنا: لا، لا.. نحن وزراء الضرائب.
فهربوا.
فعرفنا أن كل مشكلة لها حل. المهم أن تفكر طويلاً وكثيراً، قبل أن تدلي برأيك في الاستفتاء.

القوني
14-11-2010, 11:54 AM
(185)
كنت أجلس بجوارهم وهم يتحدثون عن الجنة. أوفوها حقها وزيادة. كأنهم رأوها رأي العين، أو كانوا من مواطنيها. لم ينسوا إلا النيل، والباوقة، والنهود، ومريدي، وكسلا.
فتذكرتها وغنيت "رغم بعدي برسل سلامي"

القوني
15-11-2010, 02:43 PM
(998)
حملته عالياً، عالياً، ثم أفلتته. ما عادت كما كانت رياح السودان. السحاب رمته.
* * *
اعذروا أهل السودان هذه الأيام. فهم مشغولون بأمر الوحدة. ماعدا الحكومة، والمعارضة، والمتمردين.

القوني
15-11-2010, 02:47 PM
(1001)
كنت أشرب الشاي مع صديقٍ يحب السودان، فمنحته الجنسية. أنا هكذا أمنح كل من يحبون السودان الجنسية على حسابي وعلى طول.
أخبرني صديقي أنه كان في السودان. فسألته: أين كنت؟
قال: في جبال النوبة.
فسألته: في أية مدينة؟
قال: في أم درمان.
فضحكت.
ثم سألني: من أين أنت؟
قلت: من كادقلي.
ثم تذكرت أن ملكال أجمل.
فقلت: من ملكال.
ثم تذكرت أن بورتسودان أجمل.
فقلت: من بورتسودان.
ثم تذكرت أن بربر أجمل.
فقلت: من بربر.
ثم تكرت أن الحصاحيصا أجمل.
فقلت من الحصاحيصا.
ثم تذكرت أن كادقلي أجمل.
فقلت: من كادقلي.
قال: حيرتني معك. من أين أنت بالضبط؟!
قلت: من السودان. وبكيت

القوني
17-11-2010, 05:22 PM
(670)
وأنت تسير وحدك، الوقتُ ليلٌ بلا قمر، السماءُ ملبدةٌ بالسحب، معتمةٌ، معتمة..
همهماتٌ مجهولةٌ مبهمة، حولك، أمامك، خلفك، فوقك..
الطريقُ الضيقٌ المظلم، يعبر الغابة الكثيفة..
أغصان الشجر تهتز مرة، تتحرك أخرى..
أشباحٌ تغدو، تروح. أمامك، جنيك، فوقك..
أمامك من بعيد، شيء بلا شكل. رقبة، ربما.. لحية، ربما.. أو قرون..
إن جلست، جلس.. إن وقفت، وقف.. إن رفعت يدك، رفع يده.. إن دنوت، دنا.. إن ركضت، سيلحق بك، يأكلك..
وإن تشجعت، تقدمت، رفعت عصاك عالياً، ضربته وسط رأسه..
لا يأبه، لا يخاف، لا يتراجع..
يتقدم نحوك، يفتح فمه واسعاً..
تبدو أظافره، وأنيابه يقطر منها دم من أكلهم قبلك..
ثم يرتفع عالياً، ينقض عليك..
تغمض عينيك، تودع نفسك..
وإذا بك تقهقه بأعلى صوتك، تضربه بقوة، تقطع رأسه، وأنت تلعن.
"الله يلعن شجر العُشر"

القوني
17-11-2010, 05:26 PM
(672)
بعض الناس لا يعرفون كيف يكتبون الخطابات. الحاجة "كلتوم" كتبت خطاباً لابنها محمود هكذا..
ولدي محمود، أخوك عبد الله مات من البرد، وأبوك محموم، وأختك مزكومة، وأنا عندي وجع بطن..
شربنا القرض ما نفع، والعرديب ما نفع، ولا التبلدي..
والعيش في الدبنقة كِمل، ولينا يومين ما أكلنا..
والحمار شالوه ناس الضرايب، والديك شالوه ناس الزكاة.
* * *
بالله عليك هل هذا خطاب!.. لغة ركيكة للغاية.
لمً لا تستحي الحكومة من نفسها، وتعلم المواطنين كتابة الخطابات؟

القوني
18-11-2010, 04:49 PM
(307)
غادرت معسكر النازحين بمدينة نيالا فجراً واتجهت نحو السوق. مرت على بعض المحال التجاريةِ وحصلت منها على ما قسمه الله لها، وأخيراً وقفت أمام أحد المحال. في كل مرة تقف أمام هذا المحل تتهيبه ولا تدخل. قررت أن تدخل هذه المرةِ لعل صاحبه يكون من أولاد الحلال. هكذا قالت في نفسها. ولكنها ترددت. قدمت رجلاً وأخرت أخرى.
حينها كان هذا الشاب صاحب المحل يجري محادثة لعقد بعض الصفقات وأمامه العديد من الشيكات في انتظار التوقيع. رفع رأسه فجأة فعرفها. وقف مرتبكاً تماماً كما يفعل التلميذ حين يفاجأ بالمعلم جواره. أسقط التلفون من يده ودنا منها. أراد أن يحدثها فلم يدر من أين ولا كيف يبدأ مع هذه المرأة الجليلة النبيلة. تضاءل أمامها. أما هي فظنته سيطردها فاحترمت نفسها وذهبت. تبعها من بعيد. وعندما دخلت أحد المحال انتظرها بقرب الباب. قال في نفسه: سأكلمها عندما تخرج.
وعندما خرجت لم يجد ما يقوله فتبعها. دخلت محلاً آخر. وعندما خرجت سار بعدها. اقتربت من سبيل الماء. شربت وجلست تستظل بالبرندة تستريح.. شرب بعدها وجلس بقربها. كل من مر بجوارهما حياه. حتى أصحاب السيارات يترجلون ويأتون إليه يعرضون خدماتهم. بل وحتى كبير مسئولي المعسكر نفسه. احتارت في أمره. نظرت إليه في تساؤل. لأول مرة تحدق في وجهه. طأطا رأسه فلم تسأله. أشعل سيجارة. وعندما أحس بأنها تزعجها أطفأها، وقرر أن يقلع عن التدخين.
أخيراً تذكر أنها حدثته يوم استضافته في بيتها عندما اختطفوه، وسلبوه السيارة, وألقوا به على قارعة الطريق، فاصطحبته إلى بيتها، وعاملته كابنها. قال في نفسه: لولاها لمت..
تذكر أنها حدثته عن ابنها عبد الرحمن الذي يعمل موظفاً في العاصمة. تهلل وجهه وتجرأ فسألها: " يا حاجة، لي صديق في الخرطوم اسمه عبد الرحمن. كتب لي يسألني عن أمه بتول. هل تعرفينها؟."

القوني
18-11-2010, 10:03 PM
(496)
كان يظنها قبيحة، جاهلة، ومتخلفة. بزراقها الذي فقد لونه، وشعيراتها المتطايرة، وجهلها للأمور. حتى سافر إلى المدينة ورأى ما رأى، وحدث ما حدث.
ثم عاد. جلس بجوارها وهو يتأمل زراقها الذي فقد لونه كطفل، ويداعب شعيراتها المتطايرة كالفراشات، وعدم إلمامها بسفاسف الأمور.
قال لها: يا حبوبة يا جميلة، يا أول وآخر موضة، يا ذات الجدائل، يا مثقفة، يا بريئة.
فناولته ملء يديها فولا. أكله وشرب من الزير، وتوسد رجليها ونام وهو قرير.

القوني
18-11-2010, 10:05 PM
(498)
بذلت كل ما في وسعها لتعبر. ولكنها تعطلت أخيراً وتوقفت في منتصف الوادي.
كان الوقت صباحاً. ترجل وتابع السير على نفس الطريق. تجاوز الرمال وصعد الجرف. لم يفارق الطريق تجنباً للندى. فسمع صوتها من بعيدٍ وهي تدنو منه وتغني في حبور." طيري فوق، قميرية طيري فوق، شرك قبضاك". لحقت به. وعندما حاذته سلمت عليه وتجاوزته وهي عنه تبتعد.
طيور القماري التي لمحها تحط قبل قليل، ما طارت إلا بعد أن دنت منها ثم حطت على أغصان شجر " القمبيل"
توقف عن المسير وبدأ ينظر إليها. أعجبه هذا الطوق الجميل، واللون الرمادي اللامع كلون غمام مطير. بعضها يتناجى والبعض في تقبيل. أشجته فغناها: " ابني عشك يا قماري قشة، قشة، وعلمينا كيف على الحب دا ننشا".
هدلت فضج الوادي بالهديل، فرح وغمره الفرح النبيل. نظرت إليه وفي أمره حارت، ولأنه لم يحسن الوصف طارت.

القوني
23-11-2010, 09:59 PM
(987)
البارحة رأيت فيما يرى النائم ـ اللهم اجعله خيرـ أنني في السودان الذي أريده. غابة يظللها غمام ماطر، تجري من تحتها الأنهار، الثمار قطوفها دانية لا مقطوعة ولا ممنوعة، الأزهار من حولي الشذى يفوح، النسيم عليل، للعصافير ضجة، والفراشات نشوى، تتجول بقربي أفراس البحر، والأفيال.
ثم صعدت إلى الجنة.
وكنت في ضيافة جماعة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكانوا يسألونني فأجيب، وإن أسألهم أجابوا.
سألتهم: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاًً؟
قالوا: نعم. والحمد لله. وعدنا وصدق وعده.
سألني ابن عباس: علمَ الناسُ حتى الذرة وفتتوها. وأنتم لا زلتم تأخذون بتفسيري، بأن الأرض يحملها ثورٌ على قرنه ويقفُ على الماء؟
قلت: نعم.
قال: والله أشفق عليكم.
وسألني أبو ذر: ذهبَ الناسُ إلى القمرِ وعادوا. وأنتم لا زلتم في وإن غمّ عليكم؟
قلت: نعم.
قال: والله إنها الجاهليةُ بقرونها.
وسألني ابن الخطاب: أسأتم إلى الإسلام وخاصمتم خلق الله. حتى باتت المسلمة تخشى على نفسها وهي تسيرُ في الطريق في دولِ الغرب. ولازلتم تأمرونها أن ترتدي الحجاب؟
قلت: نعم.
قال: عليكم اللعنة. والله لو كنت بينكم، ولكم يكن معي غير الذر لقاتلتكم به.
وسألني آخر: أصبح للغةِ معاملٌ وعلوم. ولا زلتم تدخلون أصابعكم في أفواهكم لتحديد مخارج الحروف؟
قلت: نعم.
قال: بئس عباد الله أنتم.
وسألني ابن أبي طالب: شرعتم لحقوقِ الإنسان والحريات العامة. ولا زلتم ترهبون الناسَ وتكرهونهم على دينكم؟
قلت: نعم.
قال: قبح الله وجوهكم. والله أنتم عارُ هذه الأمة.
ثم سألتهم: ما ترون فينا؟
قالوا: لو لا أن رحمة الله واسعة، لتبرأنا منكم.
قلت: وما ترون في السودان؟
قالوا: ما دامت هذه حالكم يا سوداني، سيتفتت وطنكم.
قلت: تفتت.
ثم هويتُ إلى النار.
فإذا بحكامنا الذين أعرفهم واحداً واحداً، معلقين على أرجلهم وعلى ظهورهم السياط. أكاد أشم رائحة الشواء. والشعب يتقاتل، والنساء والأطفال تسقط القنابل على رؤوسهم وهم جوعى، عطشى، مرضى، لا يقرأون ولا يكتبون.
استيقظت على دوي القنابل، والطائرات، والدبابات، والصواريخ، وصراخ النساء والأطفال، وأنا أصرخ بأعلى صوتي "قد بلغت. اللهم فاشهد"
فإذا أنا في السودان.

القوني
23-11-2010, 10:06 PM
(930)
في أول يومٍ لتلاميذ الصف الأول قالوا: يا أستاذ، جُعنا. نريد أن نعود إلى البيت. جعلك الله رئيساً للسودان.
فحبستهم ساعة.
وعندما عدت، قالوا: يا أستاذ، جُعنا. نريد أن نعود إلى البيت. كفاك الله شر الرئاسة.
فأطلقتهم.
كان هذا الدرس الأول من تربيتي الوطنية. ففصلوني. قالوا: أتلفت علينا الشعب.
فبكيت، ثم مضيت، جعت، فاغتربت.

حسين محمد يوسف
25-11-2010, 04:26 PM
لك التحية القوني وانت تواصل فينا هذا التسلسل والابداع والنظرة الفلسفية العميقة تسلم.......

القوني
25-11-2010, 11:12 PM
(889)
كاد الصقر يموت برداً. فقال للعصفور: امنحني معك في بيتك موطأ قدم.
قال العصفور: تفضل..
بعد يومين، قال العصفور للصقر: امنحني معك في بيتي موطأ قدم.
قال الصقر: أبيت.

القوني
25-11-2010, 11:25 PM
(990)
كدنا نتقاتل حول المواطنة والوطن. فعقدنا اجتماعاً لمناقشة أمر الوحدة والوطن.
استهل دينق الحديث. قال: إن الدين والشريعة....
فقاطعناه جميعاً. قلنا: ما دخل الدين والشريعة في وطننا؟ هل الدين والشريعة سودانيان؟ يا أخي تدين بما شئت. فقط لا تؤذنا ولا تؤذِ الوطن.
فصمت.
ثم قال إسحق: إن العرب والأفارقة...
فقاطعناه جميعاً. قلنا: ما دخل أم العرب والأفارقة في وطننا؟ هل العرب والأفارقة سودانيون؟ كن ما شئت. فقط لا تؤذنا ولا تؤذِ الوطن.
فصمت.
ثم قال أدروب: إن اللغة العربية والإنجليزية....
فقاطعناه جميعاً. قلنا: ما دخل أم اللغة العربية والإنجليزية في وطننا؟ هل هما سودانيتان؟ يا أخي تحدث بما شئت. فقط لا تؤذنا ولا تؤذِ الوطن.
فصمت.
ثم قال عثمان: إن البيض والسود...
فقاطعناه جميعاً. قلنا: ما دخل أم البيض والسود في وطننا؟ هل هم سودانيون؟ تلون بما شئت. فقط لا تؤذنا ولا تؤذِ الوطن.
فصمت.
ران الصمت طويلاً. لم نجد ما نختلف عليه. فانفض الاجتماع وكل منا يعتذر للآخرين.

القوني
25-11-2010, 11:34 PM
(500)
يسكن المدينة ويعمل في الريف. لأعوام وهو في غدوٍ ورواح. السيارات هنا أمرها يسير، وهي ليست في قائمة الأماني، والسفر بلا مشقة.
الصبح نديّ كصبح الرشاش، غير أنه بلا دعاش. بمجرد وصوله إلى الطريق الطويل، أدار جهاز التسجيل." أيها الناس نحن من نفرٍ". ثقة في مكانها. يوم فصلوه، كتب خطاباً لصديق. قال فيه، هم ليسوا من الناس... الناس قلة..
منحنى الطريق كوادي أزوم. تنقصه الرمال، وأسراب الدباس، وبنات البصل على الشطين، وصديقه عوض، والعود، ومزاج الغناء.
" لون المنقا، الشايل المنقا". رفع الصوت. اللقطة الأولى، لجنينتهم وهو يتسلق. والأخرى ميز المنقا واو.. والثالثة المزرعة التجريبية الحكومية شندي.. يا لها من أيام!.. عدة معاهد، وكليات، ومدارس، من الشمال، والجنوب، والغرب، والشرق، والوسط، التقت بمعهد التربية شندي.. كأنهم يتعمدون أن نتعارف. إن لم يكن في الدراسة ففي العطلة.. موسم الرحلات الصيفية. هزمنا شمبات رغم تشجيع بناتهم الجميلات، ولكن هزمتنا كلية البيطرة. منقة كسلا حلوة وصافي لونها. كل البلد منقا. لو لم نعتمد إلا عليها لكفتنا.. جمهورية المنقا. ابتسم.
" بين غيمة تغازل كل زهرة، وخيال رمانة على المجرى". آه.. فقط لو أنها كلمته في ذلك اليوم، وهو في طريقه من "جاوه" إلى استراحة "سوني" قادماً من "دربات". أسبوعان يهديه وادٍ، إلى جيلٍ، إلى وادٍ، وهو لا يكل ولا يمل. المقيل في الجنائن، والمبيت أينما أرسى أمسى. عندما كانوا طلاباً، كان بعضهم يسأل عن الجبل، وآخرون عن الغاية، والنهر، والقادمون من الجنوب تدهشهم الصحراء. وهو أيضاً كان يسأل. ثم طافها وعرفها جميعاً.. يعرف الأنهار أكثر مما تعرفها التماسيح.. والصحراء أكثر من العنقاء.. والغابة كأنه "ورل".. ورل رهد الطرور، كان يطاردنا دون ذنب، ولكنه لم يكن يلحق بنا..
"أنا والنجم والمسا". رددها مع المغني.. أول أيام رمضان. في بيت الزملاء، وبعد الإفطار والصلاة، صدح المذياع. وقتها كان دون العشرين يتدرب. لو حيا الزهرة لحيته. عنفوان الشباب، والحلم العريض.. أردمتا، الطابية، أدري، كجا، خروف الرحلة المدرسية بجنيه.
" لمّا قالوا لي النعيم مسافر، ذهبتُ المحطة لقطع التذاكر". ضمة التاء. ما أجمل ذلك الصوت، وما أروع ذاك الأداء.. لو كان فناناً، لاتخذه فنانه.. كان من أعز أصدقائه.. رحمه الله وأحسن إليه. من حسن حظه لم يحضر هذا الزمن القبيح.
سالت منه دمعه.. انحنى لتناول منديلاً.. فاختلط الشمال، بالجنوب، بالشرق، بالغرب.. والغابة، بالصحراء، بالجبل، بالنيل..
لا تبكه كثيراً.. فليس وحده.. رجاءً، ابق لنا فليلاً من الدمع. فموت اللاجيء مفاجيء..

القوني
26-11-2010, 04:03 PM
(5)
في هذه الدولة الشقيقةِ وفي هذه المدرسة التي تشبه جامعة العربِ لوجود مشعل من كل دولة شقيقة ـ إلا أنه هنا يضيء وهناك لا يضيء ـ هنا استقر به المقام ووضع عصا الترحال بعد طول انتقال.
في المساءِ زاره زملاؤه وكان يشاهد احتفالات بلاده بعيد الثورة المجيدة. وبعد أن تابعوا قليلاً سألوه: لم أنت هنا ولك وطن بهذا الثراء والجمال؟!
فأسرها في نفسه وقام لإعداد الشاي.

القوني
26-11-2010, 04:07 PM
(543)
ـ إنها لا تعرفني ولا تنظر إلي مع أنها صديقة أختي وتزورها في البيت وقابلتها معها كثيراً. لا تنظر إلى وجهي أبداً. وحتى عندما أسلم عليها لا أسمع صوتها وكأنها خرساء.
هكذا قال لصديقه وهما في بداية الطريق بينما بدت هي في الطرف الآخر تدنو منهم.
راقبها صديقه بدقةٍ فتأكد من صحة حديث صديقه فعزاه. قال له: اصبر عليها قليلاً. هكذا البنات.
وعندما عاد إلى البيت حاصرته أخته بسيل من الأسئلة الدقيقة جداً. لم تمنحه حتى فرصة للإجابة: أين الجريدة التي كانت في يدك؟. ولمَ كنت تتصنع العرج يا محتال؟. والحذاء. لمَ لم تربط الحذاء؟. والقميص. لمَ لم "تزرر الزرارة" الثالثة؟. ولمَ ساعتك غير مضبوطة؟. وعينك اليمنى ما أصابها؟
وبعد أن توقفت عن الأسئلة فكر قليلاً ثم سألها: مبروك. من متى وأختي تعمل في الاستخبارات ولا أعلم. أين تعملين؟. في الموساد، أم الوطني؟
عندها أخبرته وبطريقة البنات عندما ترغب إحداهن في توصيل رسالة من صديقتها إلى أخيها، أخبرته أن إحدى صديقاتها زارتها اليوم وأخبرتها بكل ذلك. فسألها: من هي؟
قالت: أذكر ثلاثة أسماء.
قال: هند، هند، هند.
بعد أن ضحكت أخبرته أنها سألتها أيضاً، ماله أخوك هذه الأيام؟. وأضافت أخته: أحرجتني معها.
إن بعض العشاق المغفلين أمثالنا، لا يعرفون أن للغيد عينا استشعار تستخدمها الواحدة منهن فقط لرصد من تحب. وهي غير عيني النظر الجميلة هذه والتي يستخدمنها لتقطيع البصل والمذاكرة ويزرفن بها الدمع إن غدر الحبيب، وفي الطريق حتى لا يصطدمن بكم وبالسيارات.
كما أن بعض المواطنين المغفلين أمثالكم، لا يعرفون أن للوطن عينا استشعار يعرف ويرصد بها كل أبنائه. أتظن أن الوطن لا يعرف اسمك؟ إنه يعرفنا واحداً واحداً وبأسمائنا. إنه يفرح لنا عندما نفرح ويبكي إن بكينا.
وا أسفاه.. ما أحزن الوطن هذه الأيام!. وأعجب، من أين له كل هذه الدموع؟!
لو علمنا لما تقاتلنا رأفة به.

القوني
26-11-2010, 08:14 PM
(34)
في مدينة "واو" وبينما كانت الطفلة تتنزه مع أبيها في حديقة البلدية قالت له: عندما تسافر إلى العاصمة هذه المرة بعد شهرين يا أبي، احضر لي معك طيارة خضراء.
قال الأب: حاضر.
وكان الاستفتاء بعد يومين. فأجل السودان الاستفتاء من أجلها شهرين. لم يسافر الأب. فأجله عامين. لم يسافر. فأجله عقدين.
وعندما أنجبت تلك البنتُ بنتاً، قالت البنت لأبيها بينما كانت تتنزه معه في حديقة البلدية. قالت له: عندما تسافر إلى العاصمة هذه المرة بعد شهرين يا أبي، احضر لي معك طيارة خضراء.
قال الأب: حاضر.
فتبسم السودان وقال: هذا لعب عيال. وألغى الاستفتاء.

القوني
28-11-2010, 11:05 AM
(7)
ـ لو كنت الرئيس. ماذا ستفعل؟
ـ سأشكل حكومة من وزارة واحدة للإسفلت وأكون وزيرها.
ـ وإن كان لا بد من تعدد الوزارات؟
ـ سأعمل وزارة للألف، ووزارة للسين، ووزارة للفاء، ووزارة للام.
ـ نسيت التاء.
ـ صاح. ووزارة للتاء المربوطة.
ـ التاء مفتوحة.
ـ لا مربوطة.
ـ مفتوحة.
ـ يا أستاذ، يا أستاذ، التاء في إسفلت مفتوحة ولا مربوطة؟
ـ مفتوحة. مفتوحة مالكم رابطنها؟ يربطوكم من كرعينكم. وإنتَ مقسمها مالك؟ التقسيم اليخمكم.
ـ ولو عندك حكومة فيها وزارات كثيرة؟
ـ أختلس ميزانيات كل الوزارات وأحولها لوزارة الإسفلت.
ـ ما السر في حبك للإسفلت؟
ـ هو ما سر. لكن ساسة السودان لا يفهمون.
* * *
كانت الحصة أعمال ـ لمن يعرفون حصص الأعمال ـ وكنت أجلس مع تلاميذ سنة أولى تحت شجرة نيم وهم يقومون بتشكيل الطين إلى حيوانات مختلفة فسمعت اثنين منهم وهم يجرون هذه المحادثة.
عندما أعود بالذكرى لذال اليوم، ألوم نفسي كثيراً لأنني دعوت عليهم. فدعوى الأستاذ على تلاميذه مستجابة. ربطوهم كلهم من "كرعينهم" ولكن عزائي أنني لم أقل لهم من رقابكم.
أما التقسيم فمالي بالتقسيم وهم لم يسألوني عنه أصلاً. فقد "خماهم" جميعا.
ليتهم لم يفقروني ولا زلت معلماً في الوطن لأدعو على تلاميذي بالوحدة "وحدة تخمكم"

القوني
28-11-2010, 07:57 PM
(896)
للحيوانات أسرار لا يعلمها إلا رب العالمين. فمن يصدق أن بقرتنا هذه، والتي نسميها "نوري" ونشرب لبنها، كانت مواطنة رومانية في العصور الوسطى، وكانت تعمل في قصر الملك.
سمعتها مرة وهي تحكى للأبقار. قالت: كانت بلادنا جميلة والخيرات فيها وفيرة. ولكن كل الملوك مفسدون. فوضعنا دستوراً يحرم على مواطنينا تولي الملك. وكنا نأتي بأمراء الغرب نملكهم علينا. فاستقام الحال. أما دراكولا هذا الفارس الوسيم النبيل ـ والحديث هنا لبقرتنا نوري ـ فقد كان صديقي."
سبحان الله. للحيوانات أسرار لا يعلمها إلا الله. فمن يصدق أن بقرتنا هذه، والتي نسميها "نوري" ونشرب لبنها، كانت مواطنة رومانية في العصور الوسطى، وكانت تعمل في قصر الملك، وأنها كانت صديقة دراكولا!!

القوني
29-11-2010, 06:52 PM
(56)
بالأمس هطلت الأمطارُ غزيرةً والجو مضمّخٌ بـ "دعاش الرشاش".
اليوم الأشجار بدأت الأزهار تتمرد عليها وتطل بأنوفها إيذاناً بالإزهار، والمزارع شاقتها البذور، ونحن في غاية الحبور ننتظر القطرة الأولى من الغمام لنركض نبشر الكبار.
القطرة الأولى فإذا بها تبدو من الشمال. تحط على شجرة "القمبيل" وتنظر إلينا في إلفة. افتقدناها كثيراً وكنا نتوقعها ونترقبها منذ مدة. كدنا نحلق معها فرحا ونطير.
ركضنا إلى الكبار نبشرهم فسألونا: " المطرة نقطت؟"
قلنا: لا، لا.. مودة "جات."
وسألناهم: ماذا نقدم لها؟. عيش؟!
قالوا: لا. لا.. السمير لا يأكل العيش. هي جاءت بيتها.

القوني
29-11-2010, 06:59 PM
(33)
ضربتْ الرمل. قالت: لك أبناء تسعة عاقون. يلعب الشيطان برؤوسهم فيجعلون منك خمسين.
فبكى.
قالت: لا تبك. ثم يخلفهم أبناء بررة. سيلعنون الشيطان ويعيدونك واحداً.
فضحك.
وأهداها من منقة كسلا، وسمسم القضارف، وتمر الشمال، وصمغ فحل الديوم، ومن حلوى الخرطوم، ومن سمك النيل، ومن بافرا ماليك أويل، ومن رهيد البردي لوحة، ومن مريدي السمحة لمحة.
فدعت له: الله يكفيك شر أولاد الحرام.
قال: آمين.

القوني
29-11-2010, 08:03 PM
(83)
كنت أصف الجنة للتلاميذ.
قلت لهم: هي حديقة مثمرة قطوفها دانية لا مقطوعة ولا ممنوعة..
فقاطعني أحدهم: " يا أستاذ، زي جبل مرة؟"
قلت في نفسي: إن تهورت وأجبته بنعم، سأُدخل نفسي في مشكلةٍ وأدخل النار. فتجاهلت سؤاله وتابعت الوصف.
ـ وفيها عصافير جميلة عذبة الألحان.
فإذا به يلح في السؤال: "يا أستاذ، يا أستاذ، زي جبل مرة؟"
قلت في نفسي: إن تهورت وأجبته بلا، سأدخل نفسي في مشكلةٍ وأدخل النار. فتجاهلت سؤاله وتابعت الوصف.
ـ وماؤها باردٌ، وظلها ظليل.
فإذا به يلح أكثر: " يا أستاذ، يا أستاذ، يا أستاذ، زي جبل مرة؟"
فكدت أستسلم وأدخل النار بإحداهما، لو لا أنهم قرعوا الجرس.

القوني
29-11-2010, 09:16 PM
(97)
المكان حارة من حارات مدن الشمال. مجموعة من الأصدقاء الصغار لا تتجاوز أعمارهم الثامنة. عندما يلعبون الكرة فالكابتن عثمان. أما الغناء ففنانهم المفضل دينق لصوته الجميل.
في العصر وهم يتجمعون في الساحة وسط الحارة للعب الكرةِ طلبوا من دينق أن يغنيهم أغنية "الحمامة التي أهدت لجارتها النحلة وردة". ولأمر في نفسه قال لهم فجأة: انظروا لتلك الفراشة الكبيرة.
وعندما التفتوا غافلهم وهرب إلى بيت الحاجة زينب. وعندما رأى كلبها هرب إلى الشارع.
في الشارع كان أحدهم يجلس على كرسي في انتظار أصحابه فاختبأ خلفه. وعندما وجدوه أخيراً وحملوه وهو يحاول للتخلص منهم وذهبوا به إلى الساحة، كان الرجل الجالس على الكرسي يضحك. وهو أبوه ملوال شيخ الحارة. وعندما حضرت أمه تتحدث كما تتحدث كل النساء، زجرها كما يفعل كل الرجال قائلاً "أدخلي جوه يا مرة يا ما عندك مخ" فعادت.
فإذا بالصوت ندياً. "الفي الجنوب، حيي الشمال" خلف رجلاً على رجل، أشعل سيجارة.
"ما يا هو دي"
* * *
لا تزج بأنفك بين الأطفال فلهم أسرارٌ لا تعرفها.
ولا تكن شيخاً للحارةِ ما لم تكن مسكوناً بثقافتها.

القوني
30-11-2010, 11:11 AM
(78)
في الفجر قابلتهم في المسجد. في الضحى في السوق. في منتصف النهار في المكتب. في العصر في دار الرياضة، وفي المساء في السينما.
فقلت لهم: هل سبق وأن أصيب أحدكم بكسر في يده، رجله، أسنانه، أو حتى في رقبته أو رأسه؟
قال: بعضهم لا.
وقال آخرون: نعم.
قلت: إن سبق فلا بأس أن تجرب مرة أخرى لاكتساب الخبرة. وإن لم يسبق فهذه فرصة ذهبية لا تضعها ولا تدعها تفوتك. فالكسور مفيدة جداً.
كل ما عليك أن تربط رجلك بحبل متين، على ساق شجرة كبيرة، وتتناول قطعة حديد أو "عكازاً" غليظاً وتبدأ الضرب.
اضرب، اضرب، اضرب. لا تهتم بالألم. سيخف مع الضرب حتى تجد نفسك لا تتألم أبداً.
اضرب، اضرب، اضرب. وإن لم تنكسر، اشرب ماء، وأشعل سيجارة، وإن شئت ضع "سفة". ثم واصل الضرب.
اضرب، اضرب، اضرب. لا تتوقف أبداً حتى تنكسر.
فخير لنا أن نكون مكسرين ونجلس في البيوت، بدلاً من هذه "الحوامة" عديمة الجدوى.
ما الفائدة من كل هذه "الحوامة" والوطن يتفتت؟!

القوني
30-11-2010, 03:09 PM
(42)
كل الأغاني التي غناها المغنون في سهرة اليوم، ونحن نحتفل بذكرى الاستقلال في معسكر اللاجئين ومعنا بعض المغتربين، كل هذه الأغاني لم تعجب الحاجة زينب. مع أنها من أروع أغاني أهل السودان.
"ما دام طار جنى الوزين.. اللوري حلّ بيّ دلاني في الوديّ.. وليد دارفور بمشي معاك الليلة.. نميري قال كلام.. أنا أم درمان.. اللوري تشيل منو غير بنات نوري تشيل منو.. من أرض المحنة ومن قلب الجزيرة.. كبّ دمعي وانا قلبي ساكن"
كل هذه الأغاني لم تعجب الحاجة زينب وطلبت أن تسمعنا أغنية. فأمسكت بالدلوكة وبدأت تغني: " لو بعدي برضيهو، وشقاي بهنيهو، اصبر خليهو، الأيام بتوريهو".
وبعد أن ذبنا طرباً، ورقصنا على إيقاعها الساحر الشجي، سألناها عن هذه الأغنية. فأخبرتنا أنها سمعتها أيام الإنجليز عندما كان لهم راديو في القرية ثم بكت.
فاخترناها أغنية الموسم لكل المغتربين واللاجئين.

القوني
30-11-2010, 04:48 PM
(74)
في تقرير طبي عاجل أصدرته هيئة اليونسكو، تحذير من ظهور وباء جديد يجتاح معسكرات اللاجئين السودانيين والجاليات السودانية.
الأعراض: "زغللة" العينين، نحول الجسم، ترديد الأغاني الوطنية.
ومن أعراضه أيضاً، أن المريض يقول في نومه " فِكّنا. يا أخي فِك" فأسموه "home sick" يعني بالعربي "الحنين إلى الوطن"

القوني
30-11-2010, 05:12 PM
(92)
سألني: من أين تأتي بكل هذه القصص العجيبة. أم تسرقها؟!
قلت: ألا تعلم؟! لو أنك تفهم لأخبرتك من أين أسرقها.
قال: أخبرني. من أين؟!
قلت: أسرقها من هنا.
قال: من أين؟
ـ من هنا.
ـ من أين؟
ـ من هنا.
ـ من أين؟
ـ من هنا.
وكنت أشير إلى قلمي المكسور، وضرسي المخلوع، وقلبي الموجوع، ووطني المبيوع، وبطني الخاوية.

القوني
30-11-2010, 06:53 PM
(14)
قال رجل الأعمال لزوجته رجلة الأعمال ـ استخدمنا كلمة رجلة لأن كلمة سيدة لا تناسبها فأرجو المعذرة ـ قال لها وهما يتجولان في معرضٍ تشكيلي لم يقصداه. وإنما جاءا ليتعشيا فوجداه أمامهما في صالة هذا الفندق الفاخر.
قال لها: ما رأيك في هذه الصورة يا ولية؟
قالت: شينة. والله شينة. عاملة زي ود أم بعلو.
فسقطت اللوحة من الضحك. ولكنها لم تجد مبرراً للانكسار، فلم تنكسر.

القوني
30-11-2010, 09:04 PM
(45)
لا شيء. لا شيء البتة. كل ما في الأمر أنني بحثت عن سيجارة لم أجدها، ومن قبلها أعجزني الحصول على العشاء. ففتحت التلفاز وجلست أتابع. ومن حسن حظي ـ وهذا يرجع إلى حسن الحظ فقط لا علاقة له بمجهودي ـ من حسن حظي صادفت الإعلانات. فهي وإن كانت كلها أكاذيب، إلا أنها لا ترقى إلى درجة الإساءة للدين ولا إفساد العقيدة.
محلات "موناكو" للأثاث بالخرطوم بحري تقدم لكم... بوتيك وول استريت للالكترونيات بأم درمان رمز الجودة... مانهاتن بالخرطوم.. محلات باريس للموضة.
أرأيت؟! لا شيء يسيء إلى الدين، ولا شيء يفسد العقيدة.
ولكنني بدأت أفكر. قلت في نفسي: هناك خلل ما. ليس في المحال ولا أصحاب المحال. وإنما في الجمل. مثلاً، إن ذهبت عشوشة إلى محلات موناكو. ماذا سنقول؟. تأمل هذه الجملة. ذهبت عشوشة إلى محلات موناكو. أنا شخصياً أحس وكأنني آكل عصيدة بالملعقة أو "ألحس" الآيسكريم بإصبعي.
وما يقال عن عشوشة ومحلات موناكو، يقال عن أدروب ومانهاتن، وملوال وول استريت، وابن عوف وباريس.
كل هذا يدور في ذهني ولم أبح به لأحد، ولا أظن أن ذلك سيحدث. فأنا وأمثالي لا نجرؤ على دخول تلك المحال. بل ولا نقابل مالكيها. وإن كنا نقابل زائريها في أماكن أخرى لن نذكرها هنا.
لذا، وحتى تكون هذه الجمل سياحية، والأسماء متجانسة، خدمة للوطن، وبما أننا لن نتمكن من إقناعهم بتغيير أسماء تلك المحال ـ هذا إن قابلناهم ـ نرجو منكم التكرم بتغيير أسمائنا.

القوني
30-11-2010, 09:58 PM
(57)
في حصة الإنشاء طلبت من التلاميذ أن يكتبوا عن دارفور. فكتب أحدهم ما يلي:
دارفور هذه الجميلة بأحجامها المختلفة، وألوانها الزاهية، وطعمها اللذيذ، وحكوماتها الثلاث، وبرلماناتها الثلاثة أيضاً، ووزرائها الكثيرين، ونوابها الكثيرين، ومستشاريها الكثيرين، ومساعديها الكثيرين، وفيها مدينة الجنينة بكهربائها الخضراء الجميلة الكبيرة، ونيالا بجامعتها ذات الذيل الطويل والعيون التي تلمع في الظلام، والفاشر الكبير بحنفياته ومواسيره الحكومية الحمراء التي تشبه البطيخ وتهطل في الخريف، والضعين بمستشفاها ذي القرنين وهو يرعى هنا وهناك في المراعي الخضراء، وكتم حيث التلفونات المزركشة التي يمتطيها المواطنون بمقاعدها الوثيرة وأرجلها القصيرة، وأم كدادة حيث الإسفلت الشامخ المرتفع بثماره البيضاء الدسمة.
وهنا مدرستنا هذه التي تشبه حمار جدي عبد الله الذي يعرفه الأستاذ، وأستاذنا الذي يحلم وهو واقفٌ ويطلب منا أن نكتب عن أشياء ليس لها وجود.
فعلقت: يا سلاااام. منتهى الإبداع. جعلتني يا تلميذي النجيب أحس وكأنني في باريس أو نيويورك. ولكن هل أنا أحلم واقفاً يا قليل الحيا؟!

القوني
01-12-2010, 11:14 AM
(78)
ـ أهلاً. كيفك.. شفت أمس غلبنا الكمرون كيف؟
ـ الحمد لله. والله المفروض نغلبهم أكتر من كده.
ـ ما معك في الصحن؟
ـ فول.
ـ بالبيض؟
ـ نعم.
ـ وزيت السمسم؟
ـ نعم.
ـ والسلطة؟
ـ نعم.
ـ والجبنة؟
ـ نعم.
ـ والطحينية؟
ـ نعم.
ـ والطعمية؟
ـ نعم.. هيا تعشى معنا.
ـ يا خي كرهنا الفول والسمك. عايزين نتعشى اليوم حلة فقط. هيا أنت تعشى معنا.
ـ ما معكم في الحلة؟
ـ 2 كيلو لحمة ضاني.
ـ بالبصل؟
نعم.
ـ يا خي كرهنا حلل اللحمة والدجاج. عايزين اليوم نتعشى فول فقط.
* * *
وأنا كرهت القصص بموية الفول. عايز اليوم تاريخ باللحمة والدجاج والسمك فقط. هيا تعشوا معي.

القوني
01-12-2010, 11:17 AM
(761)
سألني تلاميذ سنة أولى: يا أستاذ، هل تكتب القصص هذه الأيام؟
قلت: لا. أقلعت عن كتابة القصص.
قالوا: سنكتب بدلك. علمنا كيف تكتب.
قلت: أكتب كما يكتب كل الناس.
قالوا: ومن أين تأتي بالأفكار؟
فلت: ككل الناس. الأفكار موجودة عندي وعند غيري.
ثم سألتهم: فيم تفكرون الآن؟
قالوا: البيت، الكرة، العصافير، الأزهار، الحلوى،...
قلت: هذا يكفي لكتابة مليون قصة.
قالوا: وما المشكلة؟
قلت: لا توجد مشكلة. هي مسألة.
قالوا: وما المسألة؟
قلت: الموضوع، الحالة النفسية، المكان.
قالوا: ما الموضوع؟
قلت: كرة، بيت، رحلة، حديقة، حرب، أو أي شيء.
قالوا: والحالة النفسية؟
قلت: فرح، غضب، تشاؤم، تفاؤل، خوف، كره، حب، أو أي شيء.
ـ والمكان؟
فتحت الكتاب وسألتهم: ماذا ترون؟
قالوا: صور أولاد وبنات، وكتابة.
قلبت الكتاب وسألتهم: والآن؟
قالوا: الغلاف.
قلت: هذا المكان. تنظر للشيء من أمام، خلف، يسار، يمين، فوق، تحت.
قالوا: لم نفهم.
قلت: أنا أختار الموضوع. الاستفتاء مثلاً. وأكون متفائلاً بعودة الوحدة. عن طريق ليس فيه حروب.
قالوا: كيف؟
قلت: أستطيع أن أكتب عشر قصص عن الاستفتاء لا تتشابه. تختلف في الأسلوب، الروح، النكهة، المدخل، السرد، المخرج، المغزى وغير ذلك. بحسب الحالة النفسية والمكان.
قالوا: إن اتبعنا كلامك هذا. هل يمكن أن نكتب مثلك؟
قلت: لا. لا.. مستحيل. فأنا كما ترون لي خمسة أرجل، وأربعة قرون، وآكل الناس. أُخ خ خ.
فضحكوا وبدأوا يكتبون.
فكتبوا عشر قصص عن البيت غير متشابهات، ومثلها عن الكرة، والعصافير، الأزهار، الحلوى.
قلت لهم: هذه القصص لم أقرأ أجمل منها لا في الناس ولا في الريل. علموني كيف تكتبون القصص.
قالوا: نكتب كما يكتب كل الناس.
قلت: ومن أين تأتون بالأفكار؟
قالوا: ككل الناس. الأفكار موجودة عندنا وعند غيرنا.
قلت: وما المشكلة؟
قالوا: لا توجد مشكلة. هي مسألة.
قلت: وما المسألة؟
قالوا: الموضوع، الحالة النفسية، المكان.
قلت: إن اتبعت كلامكم هذا، هل يمكن أن أكتب مثلكم؟
قالوا: لا. لا.. مستحيل. فنحن كما ترى لنا خمسة أرجل، وأربعة قرون، ونأكل الناس...أُخ خ خ ..
فضحكت وعدت أكتب من جديد. ولكن ليس مثلهم. من يكتب مثل تلاميذ سنة أولى؟

القوني
01-12-2010, 11:53 AM
(70)
جدتي هذه والتي لم تتشرف أنت بمعرفتها، يبدو أنها عميلة، أو تعمل لحساب جهة مشبوهة، أو ضد الحكومة، أو شيء من هذا القبيل.
فعندما أقول لها مثلاً، أن حكومتنا... وقبل أن أكمل كلمة الرشيدة، تقول لي: "هي وينها الحكومة؟"
وعندما أحدثها عن الإنجليز، وقبل أن أنطق كلمة البغيض. تقول لي: " الله يطراهم بالخير"
ومع أنها تعد من أثرياء القرية لامتلاكها ديكاً ودجاجتين. إلا أنها تتهرب من دفع الضريبة، ولم أرها يوماً تزكي هذه الثروات.
وهي تنتهج سياسة تتعارض وسياسات الحكومة. فهي تحترم جاراتها ولا تتشاجر معهن ولا " تتبوبر لا تتفشخر" عليهن.
وفوق كل ذلك فهي شيوعية. فقد رأيتها مرة وهي تحرض جارتنا سعدية على جارتنا خديجة.
ولا ينفي عنها ذلك تهمة الديمقراطية. فقد استشارتني أكثر من مرة قاتلة: أتريد أن أضربك بالعصا، أم "العكاز"؟
وإرهابية أيضاً. وإلا ما الذي جعلها تصلي بعد أن شربت مع جارتنا عائشة "المريسة" وأكلتا "الشية"؟ وتهرب يوم تشاجرت مع جارتنا "مستورة" واحتلت عليها الراكوبة.
ولم اكتشف أنها إعلامية إلا عندما روجت إشاعة بأن جارنا محمود طلق زوجته. وعندما راجت الإشاعة وسألوها قالت: " بري.. ما قلتَ"
ويبدو أنها تريد أن تترشح للرئاسة. فقد سمعتها وهي تقول لصديقاتها وهن يشربن "جبنة نص النهار" أنها ستزرع لهن راكوبة تسبح بهن فوق السحاب وهن يشربن الجبنة، وستبني لهن شجرة لالوب تثمر سكراً وبناً.
وهي شريرة خالص. فقد رأيتها وهي تنظر إلى كونداليز رايس عندما زارتنا في المعسكر بالعين الحمراء، والشرر يتطاير من عينيها الغائرتين.
اصطحبتها إلى "المعراقي" وبعد أن فحصها جيداً قال لي: أنت مخرف لا تصلح لشيء. أبحث لك عن وزارة، أو اشتغل كمساري.
فاخترت "الكمسرة". فأنا الآن كمساري.
استفتا نفر، نفر، نفر...
وحدة نفر، نفر، نفر...

القوني
01-12-2010, 02:20 PM
(78)
أنا اليوم متفرغ لهما تماماً. لساعتين وأنا أراقبهما وهما يتحرشان ببعضهما. الألفاظُ نابية، إشاراتٌ غير لائقة، وعدٌ ووعيد، العرقُ يتصبب، والعيونُ شاخصةٌ أصابتها حمرة.
سيتقاتلان دون شك. وأخيراً حدث الصدام وبدأ العراك.
إن كنت مكاني ماذا ستفعل؟! تبلغ الشرطة؟!! الأمر متروكٌ لك. افعل ما تشاء.
أما أنا إن كنت مكانك فقط أردد قول الشاعر:
أسدٌ عليّ وفي الحروبِ نعامةٌ ربداء تجفلُ من صفيرِ الصافر
وسأعذر الكاتب لأنه يشاهد مباراة هلال مريخ على التلفاز.

القوني
01-12-2010, 04:20 PM
(15)
اعتادت في كل صباحٍ أن تنثر لها الحبَ عندما تزورها من الغابة والجنائن. فانتظرت حتى طارت الأفراخ وانتقلت للعيش بجوارها.
بنت أعشاشها على شجرتهم في البيت، وأصبحت لا تفارقها طيلة النهار. حتى عندما تذهب لترعى الأغنام في الوادي ترافقها وتكون بقربها.
يوم غادروا القرية في طريقهم إلى معسكر اللاجئين عبر الحدود، رافقتها طيلة اليوم. ظنتهم يبحثون عن شيء ما. وعندما لم يعودوا إلى ما قبل المغيبِ عادت إلى أعشاشها مسرعة.
وفي اليوم التالي ومنذ الفجر عادت إليهم ورافقتهم. وعندما لم يعودوا إلى ما قبل المغيبِ عادت إلى أعشاشها مسرعة. ولكنها لم تصل إلا بعد حلول الظلام.
وفي اليوم التالي ومنذ الفجر عادت إليهم. فظنتهم نائمين. وعندما لم يستيقظوا إلى ما قبل المغيبِ عادت إلى أعشاشها مسرعة. ولكنها لم تصل إلا بعد حلول الظلام.
وفي اليوم التالي ومنذ الفجر عادت إليهم فظنتهم نائمين. وعندما لم يستيقظوا إلى ما قبل المغيبِ عادت إلى أعشاشها مسرعة. ولكنها لم تصل إلا بعد حلول الظلام.
وفي اليوم التالي ما عادت.

القوني
01-12-2010, 04:32 PM
(19)
كان الأستاذ جمال أميراً في هذه القريةِ وهي قريته. يعينهم ويشاورونه. وكانت له فيها كلمةٌ قبل أن يصبح من قصارها.
ساء الحال وأرقته الديون. المرتب لا يبيت، الهيئة شحاذ، والأطفال كأنهم أطفال الشوارع.
لذا لم يتردد في التقدم لطلب الإعارة التي ما كانت تخطر له على بال، وكانت آخر الآمال لإصلاح الحال.
وعندما أبلغوه بالموافقةِ فرح وفرحت له القرية. باع آخر ما يملك وأولم، ثم غادر دون أن يترك في البيت جوالاً من ذرة أو حليباً للأطفال.
هناك ومن أول مرتب أرسل لهم الملابس، والألعاب، وبعض المال، وبدأ يقضي يومه يتجول في الأسواق ينتقي الهدايا، والثياب، لأسرته، وأقاربه، والجيران، وكل أهل القرية.
ثم عاد لأرض الوطن. ومع أن الحقائب تعرضت للنهب والسرقة في المطار، إلا أن ما تبقى يكفي. والمال أيضاً رغم الضرائب، والجمارك، والرسوم، تبقى منه الكثير.
ولأنه كتب لهم خطاباً يخبرهم فيه بوصوله العاصمة، وأنه في طريقه إليهم عبر الطريق البري الوعر، فالبيت عرس، والقرية في احتفال. حتى ابنته التي لم تتجاوز العامين كانت تغني وهي فرحة تصفق: " بابا جا.. بابا جا".
ثم غادر العاصمة في طريقه إليهم.
ومن ذاك اليوم وحتى اليوم، لا زالوا ينتظرونه ويسألون عنه كل قادم من سفر، وهو لا يزال في سفر.

القوني
01-12-2010, 05:32 PM
(23)
في مثل هذه الأيام من كل عام، تعود ذاكرة شجر" الحراز" فيتذكر أنه شجرٌ ويبدأ الاخضرار، وتجود " الجباريك" بما لديها من خيرات، ويفيق الناس من زحمة العمل وإغماءة الجوع، ويتذكر المحبون محبوباتهم وتراودهم رغبة الزواج بعد الحصاد.
في كل عامٍ وفي مثل هذه الأيام، تزورنا أسراب الجراد بكل أنواعها. "الشاو" بأسرابه العمودية البنية وكأنها الأعاصير أو الدخان، و"سار الليل" وهو يمر على المزارع وجنائن الهشاب كالصقيع.
يومها لا نجدُ إلا أن نتوغل في الغابة بحثاً عن "الدمباري" في كوخه الصغيرِ نشكو له الجراد ثم نعود.
وفي اليوم التالي وقبل كل شيءٍ نبدأ في الترقب. فإذا به اعتلى أعلى أشجار السدر، أو فوق رابية من الروابي وهو يشير بعصاه، ويصل صوته من بعيد وهو يفعل بها ما يشاء. إن أرادها أن تطير طارت، وإن أرادها أن تحط حطت، وإن شاء منعها الطعام.
أما هذه المرة فقد قسا عليها كثيراً ليرينا سطوته عليها، فرأيناها وهي تحلق طول النهار دون أن تحط وقد أنهكها التحليق وفي المساء منعها الطعام.
قبل الفجرِ غلبه النوم فنام. وعندما بحثنا عنه صبيحة اليوم التالي، وجدناه جثةً هامدة لم تتبق منه غير العظام

القوني
01-12-2010, 07:13 PM
(48)
من كثرة أكلنا للنمل تعلمنا لغته. كنت أسير في ليلةٍ مقمرةٍ وكنت أبحث عن الجراد لا النمل. ولكنني عثرت بالصدفة على نملةٍ عجوزٍ تحكي لحفيداتها.
قالت لهن: كل شيء تغير يا بناتي. كل شيء تغير.. في عهد نبي الله سليمان قالت إحدى جداتنا لرفاقها { يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنده وهم لا يشعرون }
واليوم عندما نرى السودانيين نقول: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يأكلنكم السودانيون وهم جائعون.
فضج الوادي كله بالضحك. حتى الجراد.
فابتسمت وقد عرفت مكانه. وعدت إلى البيت بعد أن تعشيت.

القوني
01-12-2010, 07:45 PM
(59)
نشبت الفتنة في قريتنا. سالت الدماء والناس يتقاتلون.
قلنا لهم: أطفئوا نار الفتنة وأوقفوا القتال.
قالوا: الفتنة أنشبتها المعتمدية ولا من يطفئها غيرها.
ساعتان من السفر على الأقدام إلى المعتمدية. فإذا بالفتنة قد أزمنت في معتمديتنا. سالت الدماء والناس يتقاتلون.
قلنا لهم: أطفئوا نار الفتنة وأوقفوا القتال.
قالوا: الفتنة أنشبتها المحافظة ولا من يطفئها غيرها.
يومان من السفر على الأقدام إلى المحافظة. فإذا بالفتنة قد أزمنت في محافظتنا. سالت الدماء والناس يتقاتلون.
قلنا لهم: أطفئوا نار الفتنة وأوقفوا القتال.
قالوا: الفتنة أنشبتها الولاية ولا من يطفئها غيرها.
أسبوعان من السفر على الأقدام إلى الولاية. فإذا بالفتنة قد أزمنت في ولايتنا. سالت الدماء والناس يتقاتلون.
قلنا لهم: أطفئوا نار الفتنة وأوقفوا القتال.
قالوا: الفتنة أنشبتها العاصمة ولا من يطفئها غيرها.
شهران من السفر على الأقدام إلى العاصمة. فإذا بالفتنة قد أزمنت في عاصمتنا. سالت الدماء والناس يتقاتلون.
قلنا لهم: أطفئوا نار الفتنة وأوقفوا القتال.
قالوا: الفتنة أنشبتها أمريكا ولا من يطفئها غيرها.
عامان من السفر على الأقدام إلى القاريء.
قلنا: يا قاريء.
قال: نعم.
قلنا: انتهت القصة.

القوني
01-12-2010, 08:22 PM
(61)
قلتُ له: عملتُ معلماً بمدرسة "الجنينة أردمتا" الأولية قبل أربعين عاماً. وكنا نذهبُ إلى أدرى للفرجةِ على القرية، ويزورنا هؤلاء للفرجة على المدينة. وقتها كانت قرية الجنينة الحالية مدينة، ومدينة أدرى الحالية قرية.
ثم عدت هذا العام. فإذا بمدينة الجنينة قرية، وإذا بقرية أدرى مدينة. فبدأنا نزورهم للفرجة على المدينة، ويزوروننا للفرجة على القرية.
سألني: وما السبب؟!
قلت: أنا لا أتحدث عن الأسباب. فالأسباب معروفة. أنا أتحدث عن النتائج. فالأمور بخواتيمها.

القوني
01-12-2010, 08:55 PM
(68)
في كل يومٍ ومنذ قدومه إلى جنوب أفريقيا، يأتي إلى هنا كل صباحٍ يتغزل فيها. كأنها هي. الجدائل الجدائل، والساق الممتليء ساقها.
يتأملها بإعجابٍ شديدٍ ويغمره فرحٌ ظاهر." القوام اللادن والحشى المبروم، والصدير الطامح زي خليج الروم".
غير أن تلك تفرح في الصيف وتحزن في الخريف، وهذه تحزن في الصيف وتفرح في الخريف.
يغنيها: "قطعوا له خط الإستوا. كيف بُصري وأنا قلبي انشوى".
فتتأرجح وتتمايل في دلال.
يا سلاااام، يا سلام.. ما أجمل أن تجد من يذكرك بالوطن وأنت عنه بعيد! ما أجمل شجر الحراز!

القوني
01-12-2010, 09:29 PM
(69)
اسمه عبد الله وهو يعمل في مطعم. وبدأنا به لأنه صاحب الفكرة. أما أصحابه قبلنا فمنهم محمود وهو رياضي واعد، وبخيت وهو فنان ناشيء، وعمر طالب في كلية الفنون ويمارس الرسم في الأماكن العامة.
في كل جمعة يحمل عبد الله ما جمعه من خبز جاف، ومحمود ما توفر له من كرات، ويحمل بخيت عوده. أما عمر فلا تخلو حقيبته من الألوان.
في كل جمعة يغادرون المدينة في الصباح ولا يعودون قبل المغيب.
أما نحن التابعون فسمعنا بهم وتعقبناهم. وعندما وصلنا هناك وجدناهم.
ولأننا، أو فلأتحدث عن نفسي. بما أنني مدرس فقد ساهمت ببعض الحروف.
إن احتجناك يوم الجمعة أين نجدك؟
أما أنت إن اشتقت إلينا واليوم جمعة، فتعال إلى هناك.
(معسكر النازحين)

القوني
01-12-2010, 09:42 PM
(72)
" في جاه الله، في جاه الرسول، يا خادم الله".
مع أن الموسم موسمُ حصادٍ والذرة على قفا من يشيل. ضاقت عنها "المطمورة" و"الدبنقة"، والجوالات، وحتى الأطباق. لو طلب منها جوالاً ما منعوه. ولكنهم يفضلونها مشحوذة ليشركوا بها القماري، وكأن القماري تحب أكل الحرام أو من حكام السودان.
" في جاه الله، في جاه الرسول، يا خادم الله"
مع تغيير الصوت طبعاً. وتأتي أمه التي هي أمه، أو أخته التي تعشى معها قبل قليل والتي كان يحدثها حديث الواعظين احتيالاً، ويحذرها من رد المهاجرين، وأنهم يفضلون الذرة على "الفضلة" وأن من يردهم يدخل النار.
تأتي إليه هي نفسها لتقدم له حفنة من ذرة أو ما تبقى من العشاء. بل ما أبقاه هو نفسه. حتى آثار أصابعه الصغيرة لا زالت في العصيدة. ثم يدعو لها. مع تغيير الصوت طبعاً. وأحياناً يغلبه الضحك فينفجر وينكشف أمره وعليه يضحكون.
ما أجمل الطفولةّ! وما أجمل ذكريات الطفولة!
تُرى، لمَ اليوم الوِلدان شيبا يولدون؟

القوني
01-12-2010, 09:57 PM
(75)
تآمرنا على الأستاذ إبراهيم. قلنا: هو مسكينٌ ومن السهل أن نضحكَ عليه.
أحضرنا قطةً وأدخلناها في أحدِ الأدراج. وعندما جاء، ربما بسببِ الحبسِ بدأت بالمواء. ابتسمَ والتفتَ نحو السبورة يكتب التاريخ وعنوانَ الدرس. وخاطبنا دون أن يلتفتَ نحونا قائلاً: بعضُ القططِ الضالةِ هذه الأيام، وبسبب قلة الفئرانِ تدخل الفصول. وقد تدخل أدراجَ الطلابِ أيضاً. افتحوا أدراجكم فقد تجدون واحدة.
ففتحنا الدرج وأخرجناها ونحن نمسكها من أرجلها فعضتنا. قال ودون أن يلتفتِ إلينا: من الأفضلِ مسك القطط من رقابها.
فأمسكناها من رقبتها وألقينا بها من الشباك في حرصٍ شديدٍ فلم يرنا.
تذكرت هذه الواقعة قبل سنواتٍ عندما أحضر التلاميذ قطةً وأدخلوها في أحد الأدراج. وعندما جئت، ربما بسبب الحبسِ بدأت بالمواء. فابتسمتُ والتفتُ نحو السبورةِ أكتب التاريخ وعنوان الدرس وأنا أغالبُ الضحك. وخاطبتهم دون أن ألتفتَ نحوهم قائلاً: بعضُ القططِ الضالةِ هذه الأيام، وبسبب قلة الفئرانِ تدخلُ الفصول. وقد تدخلُ أدراج الطلابِ أيضاً. افتحوا أدراجكم فقد تجدون واحدة.
ففتحوا الدرج وأخرجوها وهم يمسكونها من أرجلها فـعضتهم. قلتُ دون أن ألتفتَ نحوهم: من الأفضلِ مسك القططِ من رقابها.
فأمسكوها من رقبتها وألقوا بها من الشباكِ في حرصٍ شديدٍ حتى لا أراهم.
ما يصلحُ في التدريسِ، قد يصلحُ للرئيسِ.

القوني
01-12-2010, 10:13 PM
(77)
طيور "القماري" هذه التي تراها أمامك تحط على " المدق"، منذ إقلاعها من أعشاشها وهي تفكر في أنها ستأتي على هنا، وأنها ستقع على الشراك، وأن الأطفال سيصطادونها.
لم تفكر أبداً في أنها ستجد الذرة وفيرة، وأنها ستأكل حتى تشبع، وأنها ستعود لأفراخها. أتراها " تفرفر" وهي تحاول أن تتخلص من الشباك؟ أنظر، هاهم الأطفال يركضون نحوها في حبور. إنهم يمسكون بها ويذبحونها.
لو أنها فكرت في أنها ستجد الذرة وفيرة، وأنها ستأكل حتى تشبع، وأنها ستعود إلى أفراخها لعادت. ولكنها لم تفكر إلا في أنها ستكون صيداً فصيدت.
* * *
بصراحة لم تعجبني هذه الصياغة. لذا، سأعيد الصياغة من جديد.

القوني
01-12-2010, 10:15 PM
(78)
راجت إشاعة بأنهم في الوادي.
خرجت "ميري" من البيت في طريقها إلى المزرعة وكانت تحدث نفسها.
قالت: عندما أصل إلى منتصف الوادي سيهجون عليّ ويقتلونني.
وفي منتصف الوادي هجموا عليها وقتلوها.
لو أنها فكرت في العبور، وجني الثمار، والعودة إلى البيت بسلام لعادت. ولكنها لم تفكر إلا في أنهم سيهجمون عليها ويقتلونها. فهجموا عليها وقتلوها.
* * *
وهذه أيضاً كسابقتها. ما له قلمي اليوم لا يطيع لي أمراً! سأعيد الصياغة.

القوني
01-12-2010, 10:18 PM
(79)
منذ الاستقلال. بل ومنذ أن فكر السودانيون في الاستقلال وحتى اليوم، وهم يفكر ون في أنهم سيفشلون في حكم البلاد، وإدارة التنمية، وحفظ الوطن بعد خروج الإنجليز.
لم يفكروا أبداً في الحكم الرشيد، وإنجاح التنمية، والحفاظ على وحدة الوطن.
ما من رئيس من رؤسائنا أو مواطن منا إلا وتحدث عن فساد الحكم، وفشل التنمية، وتفتت الوطن. ففسد الحكم، وفشلت التنمية، وقد يتفتت الوطن.
لو أننا فكرنا في الحكم الرشيد، وإنجاح التنمية، والحفاظ على وحدة الوطن بعد خروج الإنجليز لنجحنا.
إذاً، دعونا نفكر في الحكم الرشيد، وإنجاح التنمية، والحفاظ على وحدة الوطن وسننجح.

القوني
01-12-2010, 10:51 PM
(92)
ـ يا ربيع، يا ربيع.
هو يعرفه ولا يعرفه أحد غيره.
أيقظه أبوه وهو دون الثامنة لرحلة صيد. الغابة مضمخة بالشذى، العصافير في انتشاء، والأغصان أثقلها الرحيق. فعرفه.
في " برام" بلل الرذاذ الشبابيك، والسحاب كاد يلامس الرؤوس، والنسيم برقة يلامس الوجوه، وفي المساء كانوا يلاحقون أرنباً برياً جاراً في ساحة المدرسة. وما علموا أنه جاء يزورهم في هذه المناسبة السعيدة. فعرفه.
في "جبل مرة" كان يترقبه وقد أخطرهم مسبقاً أنه فجأة قد يغيب.
في الصباح لا شمس، والطل على الراكوبة والقطية، وبلا مناسبة أزهر الورد.
وكان له موعد مع الوادي ما أخلفه. الجنائن تشدو مع القماري، والرمال ازدانت بياضاً وصُفرة، والبرتقال في خُضرة، والأزهار في حُمرة. وعند بوابة المدرسة أزهرت الياسمينة.
فقطف وردة أهداها زميلة وهو يعتذر فسامحته وهو يدندن:
" لمّا تشتاق للمشاعر
تملأ دنياك بعبيرها
ولمّا تشتاق للعواطف
تنسجم فى رقة حريرها
ابقى أسال عن قلوينا
تلقى فيها كنوز محبة
وتلقى فيها بحور حنان
تلقى فيها الشوق يغنى
تلقى فيها الريدة فاردة جناحها
تشتاق للربيع.
يا ربيع.. يا ربيع".
وعندما غادر تساءلوا: ماله اليوم؟
وما علموا أنه على موعد مع الربيع، في الأسبوع الأخير من نوفمبر، والأول من ديسمبر كل عام.

القوني
02-12-2010, 10:38 AM
(541)
منتصف ليلة البارحة وأنا أرقٌ وقد جفاني النوم سمعتُ هذا الصوت.
تذكرت جدتي ـ رحمها الله ـ وكأنها أمامي تتحزم بالزراق تحلب الأغنام تارة، وتارة تعمل في الجبراكة، وأخرى تحمل حزمة الحطب على رأسها، أو تناولني حبات فول.
ولمجرد أن سمعت هذا الصوت، تخيلت قطعان الزراف تتجول في الغابة وهي تشرئب بأعناقها الطوال تلتهم أغصان شجر اللالوب.
وقتها كنت أنوي الخروج لأشرب. فأقلعت وتغطيت كطفلٍ وغلبني النعاس. وقبل أن أنام قلت في نفسي: سبحان الله!! كل هذا من صوت هذا المخلوق الصغير؟!
في الصباح ذهبت إلى حديقة الحيوان حيث أعمل كطبيبٍ متخصصٍ في الزواحف.
فمسحت على أعناق الزراف، ومددت يدي وصافحت الضب.

القوني
02-12-2010, 11:09 AM
( 266)
ذهب فول هذه الأيام إلى القصر يشكو المواطنين.
الرئيس: أهلاً بالسيد الفول. مالك؟
فول هذه الأيام: أنا أعاني الاضطهاد من مواطنيك العنصريين سيدي الرئيس.
ـ ماذا حدث؟!
ـ اسمع هذه المحادثة.
ولد: يا جدي، كنت بتاكل فول زمان؟
الجد: نعم.
ـ والآن؟
ـ أيوه.
يضحك الرئيس.
ـ واسمع هذه.
الولد: يا جدي، ماذا كنت تتعشى زمان؟
الجد: فول فقط.
ـ والآن؟
ـ فول بس.
يضحك الرئيس.
ـ واسمع هذه.
ـ الولد: يا جدي، كنت بتغسل يديك لامن تاكل فول؟
الجد: وبالصالون كمان.
ـ والآن؟
ـ لا.
فضحك الرئيس وأمر له بمعصرة زيت، ومزرعة بيض، ومصنع جبنة، ومزرعة بصل، ومثلها من الطماطم.
وأصدر قراراً لمحال الفول بتقليل الماء.

القوني
02-12-2010, 11:25 AM
(45)
هنا منذ عامين بلا عملٍ وطريقُ الوطنِ مسدود.
استيقظ مبكراً ـ هذا إن نام ـ وقتها كانت زوجته في المطبخ ـ مع أنه ليس هناك ما يطبخ ـ والأطفال خارج الغرفة الوحيدة يلعبون.
حاول أن يتسلل دون أن يشعر به أحدٌ ولكنها أحست. وعندما سألته أخبرها أنه ذاهب لإحضار بعض الطعام. ومع أنه قليل ما يفعل ذلك في العامين الماضيين، إلا أنها صدقته.
المكان بعيد قريب. فالأماكن غير المقصودة دائماً تأبى وتنأى ولا تجود بالوصول. ولسبب غير ذلك آثر السير على الأقدام.
أحس أن أحدهم يسير بقربه. وعندما التفت وجده من مواطنيه. وبعد السلام والأحضان تابعا السير جنباً إلى جنبٍ دون كلام. فالكلام كله هنا يثير الشجون.
ثم أخرج الآخر من" كيسه" قطعة من القماش وقدمها إليه معلقاً: "خذ هذه العمة لتذكرك بالوطن."
فطن إلى ما يرمي إليه مواطنه فأعادها إليه وقد اغرورقت عيناه. أدرك الآخر ما يعنيه ففعل مثل ما فعل، وسارا جنباً إلى جنبٍ دون كلامٍ إلى مكانٍ غير مقصود.

القوني
02-12-2010, 04:40 PM
(764)
"كونداليزارئيس mam"
هي هي . العيون الصغيرة عيونها، والأنف الأفطس أنفها، وحتى الفلجة الواسعة.
مرة تظلل عينيها بيدها، ومرة تحدق. غلبها حنين الأم فحاولت "تشعبط" تسلق المنصة واحتضانها ولكنهم منعوها.
نادت جارتها "كلتوم" وأخبرتها. فظنتها تهذي من الجوع. ولكنها ألحت وحلفت فصدقتها.
أخبرتا أحد العسكر فظنهما تهذيان من الجوع. ولكنهما ألحتا وحلفتا. قالتا: كانت للحاجة مريم قبل ثلاثين عاماً، بنتاً اسمها خديجة، وتلقبها صديقاتها "كورة لبن رايب" وبعضهن يسخرن منها ويقلن لها "كورة لبن للكدايس" وكان لها جد اسمه" التوم". وفي ذات يوم، كانت ترعى الأغنام في الوادي فما عادت. بعضهم قالوا أكلتها الذئاب، وآخرون قالوا خطفها "الأبالة"، وبعضهم قالوا خطفها الجان. واليوم عادت. هذه هي نفسها. انظر إلى عينيها الصغيرتين، وأنفها الأفطس، وحتى الفلجة الواسعة.
فصدقهما. وكان يقف بقربهم أحد حراسها. فأخبروه بالقصة. لم يصدقهم باديء الأمر. ظنهم يهذون من الجوع. ولكنهم ألحوا وحلفوا. أسقط حارسها كل الدعاوى. ولكنه تمسك بدعوى السرقة، وموضوع جدها "التوم". فهو يعلم أن من يحرسها توجد في تاريخها القديم البعيد كلمة سرقة، وأحد أجدادها القدامى يسمى مستر" توم" وكان يزرع الفول السوداني. تساءل في نفسه: لمَ الفول السوداني بالذات!! لا يمكن أن تكون هذه صدفة. لا بد أن هناك سرٌ ما. هذا الموضوع فيه إنّ.
فصدقهم واتصل بوزارة الخارجية. فأمروه بحبسهم. فحبسوهم في راكوبة "مرحبيب" وتكتموا على الموضوع ولم يطلقوهم إلا بعد أن استقلت الوزيرة طائرتها وغادرت المعسكر في طريقها إلى العاصمة الخرطوم.
ومن ذاك اليوم وحتى اليوم، وهم يعاملون الحاجة "مريم" باحترام شديد. يعطونها الماء والغذاء أكثر من الآخرين، ويعطونها القروش حتى قبل أن "تشحد" ويسمونها أم الوزيرة "كورة لبن رايب" وبعضهم يسمونها أم الوزيرة "كورة لبن للكدايس" ومن تعلموا الإنجليزي يسونها "كونداليزارئيس mam"

القوني
02-12-2010, 06:47 PM
(28)
من بين كل النقاد فانا لا اعترف إلا بجدتي. فهي في هذا المجال طويلة الباعِ ولا يشق لها غبار.
عندما أكتب قصيدةً أجلس بجوارها وأتصنع الانشغال. حتى عندما تناولني شيئاً ما، كالفول مثلاً، فأنا أمد يدي وأتناوله دون أن ألتفتَ نحوها حتى وإن كلفني ذلك فقدان بعض الحبوب. لأثبت لها أنني مشغول للغاية. ثم أبدأ في القراءة وكأنني أقرأ لنفسي.
أمس احتلت عليها وقرأت لها هذا المقطع:
أذهلتنا هذه الحسناء. قولها زورٌ، ولونها حرباء
قالت :حربويه؟! آخر الزمن بقيت تغني للحربويات؟. دي ما حتنفعك. شوف غيرها.
وأضافت: إنت الطرطشه ليك شنو؟! هسع بت عمك إسماعيل دي عيبها شنو؟ هدية ورضية.
قلت: " يا حبوبه، هي ما بنت".
قالت: " بنت ولا ما بنت ما حتنفعك.. شوف غيرها".

القوني
02-12-2010, 08:32 PM
(49)
جدي مدوت من أهالي يامبيو. كان يعمل جندياً في الجيش أيام الاستعمار ومن يومها وهو لا يزال في الخرطوم. كتبت له خطاباً سألته: متى ستعود؟!
قال: أتريدني أن أسافر عبر هذه الطرق الوعرة يا ولدي؟ سأعود بعد الإسفلت.
قلت له: إذاً لن تعود. سآتي إليك.
وعندما سافرت إليه في الخرطوم لم أجده في حي الكرتون كما كنت أتوقع. لا، لا.. أبداً لم يحدث ذلك.
وجدته في صف الرغيف.

القوني
03-12-2010, 04:47 PM
(90)
هذه الطفلة الصغيرة الحلوة ذات الجدائل ـ سلوىـ والتي لم تتجاوز العامين، استيقظت اليوم منذ الفجر وهي تبكي وتحاول أن تقولَ شيئاً.
نحن لا نفهم كلامها عندما تتكلم مع قطتها وهي تضحك. فما بالك بها وهي تبكي. لم نفهم من كلامها إلا جملةًً واحدة: " يما أنا جيعانة".

القوني
03-12-2010, 04:50 PM
(92)
وحدك في مطعم، كل الموائد شاغرة، تحس بالوحدة. يأتي أحدهم، يسلم عليك، يجلس جوارك.
هذا ما حدث. كنت أجلس وحدي في مطعم، كل الموائد شاغرة، أحسُ بالوحدة. أتى أحدهم، سلم عليّ، وجلس جواري.
بعض الناس ودودون للغاية، وبريئون للغاية. لا تملك إلا أن تقف إجلالاً لهم. لا يصادفهم إلا السعيد.
لا تجد إلا أن تحلف عليه ليشاركك طعامك، وتشاركه الود والبراءة.
أرجوك جربها ولو لمرة. وحده في مطعم، كل الموائد شاغرة، يحس بالوحدة. ادن منه، سلم عليه، اجلس جواره.
أما الطعام فعلى حسابي.

القوني
03-12-2010, 04:54 PM
(99)
تبرجت. قالت: من منكم يحلم أن يحكم؟
قلتُ: أنا.
وقالا: أنا.
وقلتم: أنا.
وقلنا: أنا.
وقالت: أنا.
وقالوا: أنا.
* * *
حب السلطة ينسي الناس كل شيء. حتى اللغة.

القوني
03-12-2010, 05:01 PM
(79)
ـ والله حاجة تحير!! ماذا حدث لهم؟!
ـ هي عين يا عزيزي. عين أصابتها نقطة.
ـ هل هذا الشعب سيء إلى هذه الدرجة؟!
ـ لا والله. فهو شعبٌ طيبٌ، قويٌ، أمين. إنهم ملائكة. ولكن الساسة لم يمنحوهم فرصة ليروا بلدهم من هم.
ـ وهل هذا البلد سيء إلى هذه الدرجة؟!
ـ لا والله. فهو جنة. بلدٌ كبيرٌ، غنيٌ، جميل. ولكن الساسة لم يمنحوه فرصة ليري أهله من هو.
ـ وهل لديك لهم مكان؟!
ـ لا والله. لن يدخلوها أبداً. كلهم لك. مبروك عليك يا عزيزي.
{ فسمعوا لها شهيقاً وهي تفور}
محادثة بين سيدنا مالك، وسيدنا رضوان صبيحة التاسع من يناير.

القوني
03-12-2010, 06:25 PM
(5)
رغم أن هذه الصغيرة "عشوشة" لهم مصنع للطائرات، إلا أنها لم تر الطيارة. أما السيارة فمع أنها لم ترها أيضاً، إلا أنها وكما تقول، أنهما صديقتان وتنتعلان نفس الحذاء. فهي لا تنسى يوم أن اشترت لها أمها الحذاء الجديد ـ تموت تخلي ـ وعندما سألتها عن نوع الجلد، قالت لها "إستك عربية".
ومن يومها وهي تفاخر نداتها بأنها تلبس نفس الحذاء الذي تلبسه صديقتها العربية. بل أسمت إحدى بناتها المصنوعات من القصب عربية تيمناً بصديقتها مع أنها لم ترها.
هذه البنت الصغيرة "عشوشة" والله مفترية وحكايتها حكاية، وتجاري الموضة بشكل مذهل للغاية.

القوني
04-12-2010, 11:04 AM
(492)
رزقه الله بثلاثة أولاد وبنت. الأول رأى الشمس في بريطانيا، والثاني رآها في الإمارات، والثالث في جنوب أفريقيا، والبنت رأتها هنا في اندونيسيا.
أما هو فابن عم الأم. والأم من قريةٍ يصعب الوصول إليها. لا ماء، لا دواء، لا غذاء. لذا فلا داعي لذكرها.
يوم فارق الوطن وبسبب الحصار اللصيق المضروب عليه من الفقر، والبطالة، ومنهم، قرر ألا يعود.
الأبناء لم يروا الوطن. لا استنشقوا هواءه، لا شربوا من مائه، لا لعبوا في حاراته، لا تذوقوا "الرشاش" ولا "الدرت" ولا تربطهم به ذكريات الطفولة. ولكنهم دائماً عنه يسألون.
الأم حدثتهم عن جاراتهم، وصديقاتها، وأحاجي "الحبوبات"، وذهابها مع أمها لجلب الحطب والماء، ورعي الأغنام، والخريف و"الوزين." فسحرهم جمال الوصف وازدادوا شوقاً إليه.
أما الأب وبحكم عمله الذي فقده لأسباب سياسية، طاف كل الربوع.
إن حدثك عن النيل خٍلته من قطراته، وإن تحدث عن الغابة خلته من عصافيرها أو فراشاتها. أما الصحراء فكان دائماً يصف رمالها بالذهب وليلها بليل الجنة. ثم يحدثهم عن رحلات الصيد على الخيل، وعن ليالي المولد.
ثم عادوا في عطلةٍ إلى أرض الوطن تحت إلحاح الأبناء. وبعد زيارة القرية والأهل، وبناءً على رغبة الأبناء أيضاً، طافوا البلاد، ثم عادوا إلى القرية لوداع الأهل بعد أن حان موعد الرحيل.
في صباح يوم السفر، بحثوا عن "هالة" فلم يجدوها. قال بعضهم هي عند جدتها، وقال آخرون أنهم رأوها في المساء عند خالتها. وتبين أخيراً أنها ذهبت مع بنت عمها، وبنت عمة أمها، لجلب الحطب، ولم يعدن إلا عند منتصف النهار. فأجل السفر.
في اليوم التالي، استيقظ الأب مبكراً، فلم يجد ابنه صلاح. وعندما سأل عنه أمه ـ أم الولد ـ أخبرته أنها قابلته قبل يومين عند خالتها سلمى ـ جدته ـ وجدته عندها وهو يشرب "الروب" ويأكل "العنكوليب". ثم تبين فيما بعد أنه ذهب مع أصحابه إلى الصيد، ولم يعودوا إلا في المساء. فأجل السفر.
وفي اليوم الثالث، ذهب ابنه هلال مع ابن خالته موسى إلى نفير ابن عمة خاله قسم السيد. وأضاف ابنه علي ـ ابن الأب ـ أنه سمعهما قبل يومين عندما اتفقا على الذهاب إلى الوادي ليشركا الطير، ويتسلقا شجر"الدليب". فأجل السفر.
في اليوم الرابع، ذهب ابنه "علي" لوداع جدته لأمه. وفي الطريق صادف خاله محمود، فحلف عليه بالطلاق، فذهب معه إلى البيت. وبعد الغداء، خرجوا لزيارة الحاجة أمينة ـ جدة الأول من أمه، وخالة الثاني من أبيه ـ وناما عندها. فأجل السفر.
في اليوم الخامس، وبعد أن أعياه جمعهم في مكان واحدٍ قرر السفر. ولكن أمهم أخبرته أنها لن تسافر وتترك أولادها. مع أنها لم تجبه عندما سألها أين هم الآن؟
وقتها كان داخل "القطية". وعندما خرج لم يجدها. فسأل عنها الحاجة خديحة ـ أمه وخالتها ـ فأخبرته أنها ذهبت لـ "سماية" بنت ثريا. بنت عمته، وبنت خالتها.
في اليوم السادس سافر،
وفي الأسبوع السابع عاد.

القوني
04-12-2010, 01:21 PM
(88)
وجهها جامدٌ كالصخرِ وإن رقّ فهو نسيم.
سافر زوجها جنوباً بحثاً عن بنات الحور، وما علم أن من الناس من هم أكرم من الملائكة، وأن من النساء من تغير منهن الحور.
في البيت المستأجر خمسة أطفالٍ ولا حتى خبز اليوم، والزوج عريس في الجنة.
زارها جارهم الحاج مصطفي صاحب البيت، وأخبرها بأنه سيتابع أمرهم مع الجهات المختصة عله يحصل لهم على ما يعينهم.
ثم زارها بعد يومين وهو يشكر ويثني على السيد الرئيس وعلى إنسانيته ونبله، لأنه أمر لهم براتب شهري.
ولكي تكتمل الحبكة كتب توكيلاً وقعت عليه يخوله باستلام المرتبِ وإحضاره لها أول كل شهر حتى لا تتكبد المشقة ـ طبعاً بعد خصم الإيجار ـ وفي أول كل شهر كان يزورهم ويسلمها مرتب الرئيس النبيل.
وسارت الأمور على هذا المنوال. وحتى اليوم لا أحد يعرف هذا السر غيري وغيرك.

القوني
04-12-2010, 01:24 PM
(87)
قالت الطفلة لقطتها عندما رأتها تنظر إلى عصفورة تحط على الشجرة الجافة التي تجلس تحتها أمها، وبجوارها أخوها، بينما كان الأب يتوجع من الحمى .
قالت لها: يا قطتي العزيزة، عندما أكبر، سآتيك باللحم، وبالحَب للعصفور، وبالماء للشجرة.
وسأبني بيتاً لأمي، ومدرسة لأخي، ومستشفيً لأبي.
* * *
والله، لو ترشحت لانتخبتها.

القوني
04-12-2010, 01:30 PM
(85)
أزعجه ضجيج الأطفال وضحكاتهم، وثرثرة النساء والقيل والقال، وأنس الرجال وصخبهم، فهجرهم إلى الجبل واتخذ له وكراً جوار البحيرة عند أعشاش الطيور.
أطربه خرير الشلال وتغريد العصافير. ولكنه اكتشف دون طول انتظار أن أصوات العصافير تتشابه ككل يوم، وأن خرير الأمس كخرير اليوم.
فعاد إليهم في صخبٍ وهو يقول في نفسه: ما أجمل من صوت الإنسان!!.

القوني
04-12-2010, 01:59 PM
(45)
هناك نوعٌ من القصصِ جميلٌ جداً وأنا أحبه. لكنني لا أستخدمه كثيراً لأنها تحير القاريء. كهذه القصة.
في قرية "غزالة جاوزت" الضاحية الغربية لمدينة الضعين، وفي هذا الجو الجميل والشمس تشرق، وبعد أن سبحت خديجة طويلاً وتناولت الإفطار على الطاولة جوار حوض السباحة، صعدت إلى الطابق الثالث من قصرهم المتواضعِ بين القصور الريفية الفخمة، ثم جلست على الشرفة المطلة على الحديقةِ وبدأت تقرأ.
ألم أقل لك أن هذا النوع من القصص جميل جداً؟
الآن إن أردت أن أكذب سأقول لك حدث هذا أمس.
وإن أردت أن أصدق قلت لك بعد عشرين عاماً من عودة الوحدة.
وإن آثرت السلامة تركت لك الخيار.
أهناك أجمل من هذا النوع من القصص؟

القوني
04-12-2010, 03:35 PM
(60)
في بداية العام الدراسي سألت تلاميذ سنة أولى، وقبل أن أعلمهم الألف ولا الواحد.
قلت لهم: بعد أن تتعلموا وتكبروا، ماذا تتمنون أن تكونوا؟
فكانت الإجابات كلها رئيساً، وزبراً، نائباً، محافظاً.
فأدركت حجم الكارثة. ولكنني أسررتها في نفسي.
في نهاية العام قلت لهم: أنا سأغترب. وقد لا أعود قريباً وقد لا أعود. أتمنى أن أسمع عنكم كل خير. أتمنى أن تكونوا كلكم رؤساءً، ووزراءً، ونواباً. ومحافظين.
فغضبوا مني ولم يصالحوني إلا بعد أن اعتذرت لهم.
فألغيتُ السفر.

القوني
04-12-2010, 04:18 PM
(72)
قالت طفلة تسكن "القاش" لأبيها وهي تلثم زهرة وتحط الفراشات الملونة على فستانها المزركش الجميل.
قالت له: عندما تذهب إلى العاصمة هذه المرة يا أبي، سأعطيك فراشة ووردة هدية للرئيس.
وفي يوم السفر جاءته بوردة وفراشة. وأوصته، وأوصتهما، ثم سافروا.
ومع أنه قضى وقتاً طويلاً هناك، إلا أنها سألته حين عاد.
ومع أنهم منعوه من مقابلة الرئيس، إلا أنه أخبرها أنه قابل الرئيس وأعطاه هداياها. وهو يشكرها، ويسلم عليها، ويدعوها لزيارته. وأخرج من جيبه الحلوى والعروسة هدية الرئيس.
ففرحت كثيراً وغمرها الحبور، وأخبرت كل صاحباتها وعم السرور.
وعندما علم الرئيس أصدر قراراً يسمح لكل المواطنين بالدخول.
ومن ذاك اليوم وحتى اليوم، تصل إلى الرئيس كل يوم، فراشات الأطفال والزهور.
* * *
لو يعلم الرئيس ما يراه الأطفال في الرئيس، لكان الحال غير الحال.

القوني
04-12-2010, 05:35 PM
(25)
منذ الفجرِ وحتى الآن وقد انتصف النهار، والأفيالُ الضخامُ تعبر فوقه.
بعضها يسير في تؤدةٍ وبعضها في إسراع. هذا القطيعُ الرمادي اللون ذو الخراطيم الطويلة يسير متثاقلاً والصغارُ حوله يمرحون. ثم يختلط بقطيع آخر ناصع البياض يبدو وكأنه يعلوه قليلاً.
أسدان يقتربان من الأفيالِ يبدوان وكأنهما يتضوران جوعاً. يتثاءب أحدهما ويتجهان صوب قطيع الجاموس. يختبئان خلف الأكمةِ ثم تبدأ المطاردة بينما الزراف ينظر من بعيد.
طائرتان حربيتان في لونِ الرمادِ تعبران دون أن تصطدما بالأفيال، ثم تكونان طائرة واحدة كبيرة بجناحين أبيضين ثم تتلاشى.
سرب الأوز يحط على البحيرةِ ليس بعيداً عن التماسيح التي تبدو وكأنها استبدلت جلدها بريش.
ذاك الطفل الصغير الوحيد. تُرى!. ما الذي أتى به إلى هنا. تلك أمه قادمة من بعيد تأخذ بيده ثم يعودان للبيت الذي يبدو وكأنه كهف قديم.
الأسماك تدنو من البحيرة على دراجاتها النارية. تخلع ثيابها وتلقي بأنفسها في الماء الضحل.
الأزهار البيضاء، والرمادية، والسوداء، تتفتح على أنغام سامبا الرذاذ الذي بدأ في الهطول، ثم ينهمر المطر غزيراً وكأنه من أفواه القرب.
أكمل بذر الفول قبل يومين.
اليوم الأول مطر إلى الرذاذ أقرب.
التالي لا مطر.
واليوم ومنذ الفجر وحتى الآن وقد انتصف النهار، وهو مستلقٍ على قفاه يتأمل السحابَ وهو يعبر فوقه، ثم انهمر المطر غزيراً وكأنه من أفواه القرب.

القوني
04-12-2010, 06:29 PM
(62)
ـ رأينا اليوم ما لا يصدق.
هكذا قال السيد "اندرسون" لزوجته بعد عودته من بحيرةٍ قرب أمستردام حيث كان يتنزه مع الأطفال.
وأضاف الأطفال: رأينا أحد الأطفال يا ماما، تحط الطيور على كتفيه ورأسه وهو يتحدث معها ويضحك.
* * *
كل هذا مجرد تهويل. لا أكثر ولا أقل.
فكل ما هناك أن هذا الطفل اللاجيء الذي يسمى إسحق، قابل طيور "السمبر" التي كانت تزور قريتهم في الخريف، وتستقر على شجرة "القمبيل" في بيتهم فتبيض وتفرخ، ويقدم لها الجراد والحشرات التي يصطادها بـ "النشاب". فعرفته وحيته. هذا كل ما في الأمر.
لا أكثر ولا أقل.

القوني
05-12-2010, 10:38 AM
(4)
مع أن الوطن تفتت وتحول إلى دويلاتٍ وممالكٍ وسلطناتٍ منذ عامين، إلا أن الجاليات السودانية بقيت كما هي.
يجتمع كل أبناء السودان بمختلف دويلاتهم في نفس الدارِ يحتفلون بعيد استقلال السودان، يلعبون "الحريق" و"الوست"، يتزاورون، يأكلون "الكوارع" و"أم فتفت" و"الويكاب"، يسفون "التمباك"، يشربون "الشربوت" في العيد، يغنون وطني السودان وأنا سوداني أنا، يتناولون إفطار رمضان في الشارع، وينادونهم يا زول.
حتى لونهم الأسمر بقي كما هو وقاماتهم لم تكن أقصر.
كل شيء بقي كما هو لم يتغير، وهم في انتظار عودة الوحدة من جديد.

بنت النور
05-12-2010, 11:13 AM
(4)
مع أن الوطن تفتت وتحول إلى دويلاتٍ وممالكٍ وسلطناتٍ منذ عامين، إلا أن الجاليات السودانية بقيت كما هي.
يجتمع كل أبناء السودان بمختلف دويلاتهم في نفس الدارِ يحتفلون بعيد استقلال السودان، يلعبون "الحريق" و"الوست"، يتزاورون، يأكلون "الكوارع" و"أم فتفت" و"الويكاب"، يسفون "التمباك"، يشربون "الشربوت" في العيد، يغنون وطني السودان وأنا سوداني أنا، يتناولون إفطار رمضان في الشارع، وينادونهم يا زول.
حتى لونهم الأسمر بقي كما هو وقاماتهم لم تكن أقصر.
كل شيء بقي كما هو لم يتغير، وهم في انتظار عودة الوحدة من جديد. هذا هو السودان وباذن الله سيبقي في حدقات العيون

القوني
05-12-2010, 04:20 PM
(6)
جدتي تعرف كل شيء عن الغول. طعامه، شرابه، مسكنه، أقواله، وحتى برامجه السياسية.
حدثتنا عنه مرة قالت: هو يسكن في قصر بين نيلين، أحدهما أبيض والآخر أزرق. ومرة يكون من العسكر ومرة من غيرهم. وهو مثل الناس. يأكل اللحم ويحلي بالبطيخ. ومنهم من يدخنون ومنهم من يسفون" التمباك". ومنهم من يقول الإخوة المواطنون، ومنهم من يقول الإخوة الثوار الأحرار.
فتشابه علينا البقر.
قلنا: يا جدة، عمن تتحدثين؟!
قالت: عمن أتحدث؟!!. أتحدث عن الغول.
قلنا: سبحان الله. يخلق من الشبه أربعين.

القوني
05-12-2010, 07:48 PM
(40)
اعتذر لهن ـ خليلاته ـ قال في نفسه ـ إن كانت له ـ لا يضر يوم في العام اليوم لها ـ زوجته ـ تأبط عود حطب ـ يدها ـ وضعه على قنطور نمل ـ بطنه ـ وبمحاذاته ساقا نعامة ـ ساقاها ـ وبمحاذاة ساقا النعامة خفا بعير ـ أرجله ـ تحسس مال الحرام ـ محفظته ـ تشعبطا الخنزيرة ـ المرسيدس ـ وغادرا.
إلى أين؟!. وما أدراني؟!.

القوني
05-12-2010, 08:08 PM
(49)
في بريطانيا القروش تتكلم وقد تمشي أحياناً. ونحن بصدد الحديث عن القروش. ولكن ليس عن كلامها ولا عن حديثها.
هل القروش تلعب كرة؟! سؤال يمكننا جميعاً الإجابة عليه لأننا جربنا. لا تلعب.
هل تغني؟! وهذا السؤال أيضاً يمكن أن نجيب عليه جميعاً لأننا جربنا. لا تغني.
إذاً، أهل القروش لدينا مالهم ومال الغناء والكرة؟!
أيكون ذلك من أجل الشهرة؟!
إن كان ذلك من أجل الشهرة فقد جلبتها وبكثرة. ولكن أية شهرة؟!
حاول البعير أن يأكل اللحم فلم يستطع، وحاول الكلب أن يأكل العشب فما أستطاع. أهذه شهرة أم كشف حال؟!

القوني
05-12-2010, 08:44 PM
(58)
ـ أهذا لك؟!
ـ ما هو؟
ـ هذا الذي يمشي الناس من فوقه، يركلونه، يمزقونه، يبصقون، ويتبولون عليه.
ـ لا، لا..
ـ صدقت. لو أنه كلبك لقاتلتهم عليه. ولكن لا راح ولا جاء. فهو ليس إلا وطناً.

القوني
06-12-2010, 10:29 AM
(634)
خرجتم في سفر. تهتَ عنهم وذهبت في اتجاهٍ معاكس. سافرت نهارك كله وسريت الليل، وفي الصباح اكتشفت الحقيقة.
قابلتني صدفةً وأنا في رحلةِ صيد. أطعمتك أسقيتك.
سألتني: ماذا أفعل الآن؟!
نصحتك: عُد إلى قرية 56 ثم ابدأ السفر من جديد. إن فعلت ذلك ستلحق يأصحابك.
ايقظتني جدتي من النوم لشرب الشاي. لا يوجد سكر. قالت. قلت سأكتب قصة.

القوني
06-12-2010, 10:50 AM
(429)
ماذا يقول الكلب عندما ينبح، وماذا يفعل الحمار؟
وضعت علامة استفهام، أغلقت الورقة، ووقفت في منتصف الشارع.
ـ يا أستاذ قوني، اجزع من الشارع.
ـ تعال يا فندم صالح. ماذا يقول الكلب عندما ينبح؟
ـ ما ادري.. يا خي اجزع من الشارع.
ـ أنت عسكري مرور مالك ومالي أنا عربية؟ ما جازع.
ـ كيفك يا أستاذ قوني؟
ـ الحمد لله. تعال يا عبد الله. ماذا يفعل الحمار؟
ـ ما ادري. اجزع من الشارع.
ـ أنت بتاع خضار مالك ومالي أنا طماطم؟ ما جازع.
بقيت في الشارع طول اليوم وأنا أسأل. وسأحضر غداً وبعد غدٍ. لن أخرج من الشارع ولن تعبر سيارة، إلا بعد أن أتحول إلى سيارة فيخرجني عسكري المرور، أو طماطم يبيعني صاحب الخضار لحاجة بتول، أو أحصل على إجابة شافية، وأعرف ماذا كان يكتب كتابنا، ويفعل حكمنا طيلة الخمسين عاماً الماضية.

القوني
06-12-2010, 02:31 PM
(80)
كنت أركب حصاناً، أعبر نيلا. هكذا أفعل كل يوم. فمزرعتي في الجانب الآخر من النهر.
أما أمس، عضت الأسماكُ الحصان فأسقطني.
ترى من هذا الواشي الذي أعلمها أنني بلا وطن؟ ولم خافت أن تصيبها عدوى التقسيم فتكون مثلى.

القوني
06-12-2010, 02:43 PM
(87)
سألت سميرة صديقتها وهما داخل صناديق القمامة: هل سمعتِ ما قاله ساسة السودان في مؤتمرهم أممس يا فاطمة؟!
قالت فاطمة: دعيني في حال يا قطتي العزيزة. فحتى القمامة لم يعد فيها طعام هذه الأيام. والله لو يعلمون ما أدعو به عليهم، لقطعوا ألسنتهم وصاموا عن الكلام.

القوني
06-12-2010, 03:23 PM
(18)
يحكى فيما يحكى، أن سلحفاةً سافرت من الخرطوم إلى القرية، وكان يسابقها السودانيون وهم يحملون التنمية.
وطار صقرٌ من الخرطوم إلى جوبا، وكان يسابقه السودانيون وهم يحملون التقسيم.
وبعد سباقِ خمسين عاماً، سبقت السلحفاة السودانيين إلى القرية، وسبق السودانيون الصقر إلى جوبا.
بعد أن رويت هذه القصة للتلاميذ قلت لهم: الآن لخّص القصة.
فكتب أحدهم ما يلي:
لو أن تنميتنا تحملها سلحفاة لما كانت أبطأ منا، ولو أن التقسيم يحمله صقر لما كان أسرع منا.
بعض الطلاب يتمتعون بسلامة الفطرة رغم ثيابهم الرثة وفقرهم الشديد.

القوني
06-12-2010, 03:50 PM
(18)
يحكى فيما يحكى، أن سلحفاةً سافرت من الخرطوم إلى القرية، وكان يسابقها السودانيون وهم يحملون التنمية.
وطار صقرٌ من الخرطوم إلى جوبا، وكان يسابقه السودانيون وهم يحملون التقسيم.
وبعد سباقِ خمسين عاماً، سبقت السلحفاة السودانيين إلى القرية، وسبق السودانيون الصقر إلى جوبا.
بعد أن رويت هذه القصة للتلاميذ قلت لهم: الآن لخّص القصة.
فكتب أحدهم ما يلي:
لو أن تنميتنا تحملها سلحفاة لما كانت أبطأ منا، ولو أن التقسيم يحمله صقر لما كان أسرع منا.
بعض الطلاب يتمتعون بسلامة الفطرة رغم ثيابهم الرثة وفقرهم الشديد.

القوني
06-12-2010, 03:51 PM
(47)
أتدري ماذا علمنا مثقفونا، وكيف شكلونا؟
أنا سأخبرك.
حدثنا أحدهم قال: أفضل ما في هذه الدنيا أن تكون حاكماً. حاول الوصول إلى السلطة بأي ثمن.
ثم سألنا: ما الفائدة من حياةٍ بلا حكم؟
قلنا: لا فائدة.
وقال آخر وهو من الحكام: إن حصلت على السلطة لا تفرط فيها أبداً. وإن كان ذلك على جثة الوطن.
وسألنا: فهمتم؟
قلنا: فهمنا.
وقال ثالث وهو من المعارضة: لن تحصل على السلطة دون أن تخرب وتتلف. خرب كل ما تجده أمامك.
قال: مفهوم؟
قلنا: مفهوم.
وقال رابع وهو من المتمردين: إن لم تستطع الوصول إلى السلطة بالطرق المشروعة تمرد. اقتل كل من يعترض طريقك.
وسألنا: تمام؟
قلنا: تمام.
واليوم كلنا نبحث عن السلطةِ ولا نرى للحياةِ فائدةً بدونها، وإن حصلنا عليها لا نفرط فيها، ونتلف ونخرب للحصول عليها، وإن لم نستطع الوصول إليها تمردنا.
أرأيت ماذا علمنا مثقفونا وكيف شكلونا؟

القوني
06-12-2010, 06:17 PM
(24)
طفلان يتسلقان شجرة لالوب.
الطفل الأول: شوف، شوف.. طيارة فانتوم.
الطفل الثاني: لا، لا.. دي طيارة ميج.
ـ يا حبوبة، يا حبوبة.. الطيارة دي شنو؟!
الجدة تجلس على بنبر وفي يدها عصا طويلة تنش بها الدجاج عن الحب.
تظلل عينيها تحدق.
الجدة: دي طيارة ميراج.
بعد لحظات.
الطفل الأول: شوف، شوف.. هليكوبتر أباتشي.
الطفل الثاني: لا، لا.. دي هليكوبتر غازيل.
ـ يما، يما.. الهليكوبتر دي شنو؟!
الأم لم تخرج من الراكوبة. فهي تفلي القمل من رأس بنتها الصغيرة. ولكنها تابعت الصوت.
الأم: دي ب 27.
تمر لحظات.
الأول: شوف، شوف.. صاروخ سام.
الثاني: لا دا ما سام.. دا اسكود.
ـ خديجة، خديجة.. الصاروخ الفي المنصة دا شنو؟!
أختهما خديجة تجلس على الأرضِ تنزع شوكةً من قدمها. ترفع رأسها وتنظر.
خديجة: دا صاروخ باتريوت.
سبحان الله. حتى نهاية الألفية الثانية كانوا لا يعرفون غير الحمار والجمل. واليوم ونحن في بداية الألفية الثالثةِ وفي خلال أعوامٍ تُعد على أصابع اليدين وهم يعرفون كل هذا!!

القوني
06-12-2010, 11:01 PM
(71)
لخمسة أعوام و"ملوال" لا زرع ولا حصد.
في كل يوم يصحو باكراً، يحمل متاعه ويذهب إلى البحيرة عند الشلال. يجلس على نفس الصخرة متجهاً نحو بيته عبر الحدود. يضع الخبز الجاف أمامه، يفتح المذياع، يشعل الغليون وكلما تذكر الخبز تناول قطعة.
في كل يومٍ وهو قادمٌ عبر الغابةِ يمنّي نفسه بالسباحةِ عبر الشلال. وعندما يرى أفراسَ البحر، والتماسيح، والموج، يرجيء ويؤجل.
عصافير البحيرة لا تخافه أو ألفته. تنتظره كل يوم لتشاركه الإفطارَ وإن حدثها تفهم: "إنتَ أخضر دى، والله طماعه شديد". "وإنتً قدوم أحمر دا، خلي لإخوانك شويه" وعندما يبتعد العصفور المعني بعجبه ذلك فيضحك ويعلق: "والله أنتو دا كويسين خلاص.. ما لو لو يكونوا زي دى؟"
هكذا كل يوم.
أما اليوم فهو على موعد. منذ الأمس تفقد المذياع، اشترى التبغ، وأكثر من الخبز الجاف.
جلس، فتح المذياع، أشعل الغليون، وانتظر. ولكنه انشغل مع عصافيره فلم ينتبه.
فجأةً وقف، جلس، فرك عينيه، تلفت. الصوت خفيض متقطع. أبناء السودان.. الجنوب.. الاستفتاء.. الوحدة.. هنيئاً لأبناء السودان. وقف، جلس، فرك عينيه، تلفت.
وأخيراً انتبه إلى أن صوت المذياع كان خفيضاٌ.
ارتمى عليه ورفع الصوت. فإذا بالكلام قد توقف وبدأ الغناء:" أنا سوداني أنا"
لا حفل بالعراقي المتسخ ولا أطفأ الغليون. صاح: " يا هو دي" وألقى بنفسه في البحيرة .فأجفلت أفراس البحرِ، ولم تدنُ منه التماسيح.
أما الموج فكل البحار لها أمواج.

القوني
07-12-2010, 11:10 AM
قلت لتلاميذ سنة أولى في حصة التربية الوطنية: نزل قردٌ من شجرةٍ مثمرةٍ وهو جائع. قال ليتني في الأعلى.
قالوا: لم نفهم.
قلت: قال حزبٌ حكم من قبل، لو كنت في الحكم لحللت القضية.
رفعوا أيديهم ليسألوا.
قلت: لا داعي للأسئلة. فالأمر مفهوم. فقط ألعنوهم.

القوني
07-12-2010, 03:25 PM
قلت له: لثلاثِ ليالٍ بلياليها وأنا لم أنم. أبقى مستيقظاً طول الليل حتى الليل.
سألني: وما السبب؟!
قلت: سأجيبك على ثلاثةِ أسئلة. لم أنم في الليلة الأولى لأنني خِفتُ أن أنام وأنا مسلم، وأصحو وأنا إسلامي.
قال: وفي الليلة الثانية؟!
قلت: خِفتُ أن أنام وأنا سوداني، وأصحو وأنا شمالي.
قال: وفي الثالثة؟!
قلت: خِفتُ أن أنام وأنا شمالي، وأصحو وأنا دارفوري.
قال: والسبب؟!
قلت: انتهينا. كان عليك أن ترتب الأسئلة بشكلٍ أفضل.

القوني
08-12-2010, 11:51 AM
(75)
ـ يا فادي،
ـ نعم.
ـ هل أنت اسمك فادي؟!
ـ عفواً.. حسبتك قلت لاجيء.

القوني
08-12-2010, 12:35 PM
قال لي: أرأيت هذا الرجل الذي يقف أمامنا؟
قلت: ماله؟!
قال: عندما يضنك ويكره الدنيا، فإنه يأكل يومه كله.
سألته مندهشاً: يأكل اليوم؟!
قال: لا. لا.. يأكل طول اليوم.
قلت: ماذا يأكل؟!
قال: اللحم، الدجاج، السمك، السلطة، الفواكه، وكل مايقع في يده.
قلت: ويشرب الشاي؟
قال: نعم.
لم أسأله. ماذا أقول.

القوني
08-12-2010, 03:23 PM
(44)
محمد عبد الله طبيبٌ بشري، تخرج من جامعة الخرطوم عام 56 ومع أنه لم يدرس البيطرة، إلا أن له خبرة واسعة ومعلومات لا تقدر بثمن عن هذه المخلوقات العجيبة الغريبة.
التقيته في مريدي مرة، ومرة في مرتجلو، وثالثة في القرير، وأركويت، وأخيراً وليس آخراً في العاصمة الخرطوم.
لا تحضرني التواريخ على وجه الدقة. فنحن شعب لا نملك حتى جدولاً لتغيير الحكومات التي يتم تغييرها بحسب المزاج العام أو جو القعدة. فما بالك باللقاءات.
ولكن ما يجمع بين كل هذه اللقاءات، هو أنه كان يحدث الناس دائماً عن هذه المخلوقات العجيبة.
قال فيما قال: أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش. وكان هذا المخلوق الغريب من ضمن هذه المخلوقات.
ومع أنه من الأحياء، إلا أنه يتمتع بكل ما تتمتع به الجمادات. إن أصابك في رأسك شجك، وإن صادفك في طريقه أغرقك، وإن دخل عليك الغرفة خنقك.
ومن أعجب ما أخبرنا عنه، أن هذه المخلوقات ومع أنها من الحيوانات، إلا أنها تتمتع بكل ما تتمتع به النباتات. فهي سامة وتتشعبط.
والأعجب من ذلك كله هو أن هذه المخلوقات، وإن كانت من الناس، إلا أنها تأكل المزارع كالجراد، والأنعام كالقراد، وتصيب المصانع بالكساد.
أنا والله ممتن جداً لهذا الطبيب البشري الذي لم يدرس البيطرة. على هذه المعلومات القيمة التي زودني بها عن هذه المخلوقات الغريبة. وكنت أتمنى والله ـ ولا زلت ـ لو أنه درس البيطرة، وتخصص في هذه المخلوقات الغريبة العجيبة التي تسمى ساسة السودان.

القوني
08-12-2010, 08:56 PM
(753)
سمعت بالسيارة. أما الطيارة فرأتها رأي العين وهي تنصب صوب القرية بينما كانت هي تتجه نحو البئر لساعتين.
هالها الدخان وصوت الرعد ولا سحاب. أسقطت الجرة من رأسها وركضت. ساعة من الركض بلا توقف. أخيراً وصلت.
كانا تحت الشجرة حيث تركتهما. ارتمت عليه واحتضنته ـ ابنها ـ حاولت الإمساك بيده، مقطوعة. وضعته برفق وارتمت عليها ـ ابنتها ـ الجسد بلا رأس. التقطت حفيدتها ـ بنت بنتها ـ من القصب. احترق نصفها.
هالت التراب على رأسها وبدأت تصرخ وتولول. لا سالت منها دمعة، ولا جاء من يعزيها. فالقرية هادئةٌ، صامتةٌ، هامدة.
اتجهت يميناً، ثم عادت. يساراً، وعادت. ابتسمت، قهقهت، ثم غادرت.
في اليوم التالي كان أطفال المدينة يرمون امرأةً غريبةً بالحجارة.
في اليوم الثالث شكل الحاكم لجنةً لمكافحة الكلاب الضالة والمجانين.
اليوم الرابع ليس لي.
أما الخامس فهو لك. اكتب. اكتب فيه ما شئت.

القوني
08-12-2010, 09:56 PM
(278)
قضت يومها تمشي.
نسيت أنها تطير.
تعجبت من جناحها!!.
تسلقت الشجرة،
نبشت جوار البير.
إنها قماري السودان،
تبحث عن أعشاشها.
* * *
اعذروا أهل السودان هذه الأيام. فهم مشغولون بأمر الوحدة. ماعدا الحكومة، والمعارضة، والمتمردين.

القوني
09-12-2010, 02:05 PM
(763)
الأم أعلنت حالة الطواريء القصوى في القصر. لا صوت لكتيبة الشغالين وحتى المكيف أخفض صوته. والأب رمى الأوراق ولم يحفل بطوابير المنتظرين. لم يكلف نفسه حتى الاعتذار وجاء يهرول فور إنهاء المكالمة. إنها كارثة.
أما هي فقد كانت تبكي بحرقةٍ توجع القلب. الدموعُ غزيرةٌ والنسيمُ عليل.
يا رحمتاه!. كادت تموت عطشاً وجوعاً. فلساعتين لم تتناول الآيسكريم ولم تقرب العصائر. مع أن أمها جاءتها بكل ما لذّ وطاب.
غادرت البيت أكثر من مرة .إلى مكانٍ ما، ثم عادت. خرجت، ثم عادت. خرجت، عادت.
وفي كل مرةٍ كانت تمتطي سيارةً مختلفة، واستخدمت كل التلفونات أمامها الواحد تلو الآخر حتى التي في الدولاب.
أخيراً أشفقت عليهم وحنت لحالهم ـ تلطفت ـ فأخبرتهم أن صديقها ـ ابن دبلوماسي من دولةٍ صديقةٍ هم يعرفونه ـ أساء معاملتها وعاملها بطريقةٍ همجيةٍ عنيفة. أهانها وداس على كرامتها بوصف رنة تلفونها بغير الحلوة فخاصمته.
استدعى الوزير السفير، جلسا جوار حوض السباحة الكبير، ودارت محادثات مطولة، تخللها تناول مشروبات غير محللة، وكادت أن تحدث أزمة بين دولتينا الشقيقتين، لولا أن الله لطف وحنن القلبين.
أخيراً اعتذر الابن فابتسمت البنت.
في اليوم التالي غادرا ـ الابن والبنت ـ إلى دولة مجاورة لتطبيع العلاقات وعادت المياه إلى مجاريها.
( الحمد لله)
في اليوم الثالث،.........
في اليوم الرابع،.....................
اليوم الخامس فهو لي.
أما أنت، فاليوم ليس لك يوم. مر علينا بكرة.

القوني
09-12-2010, 02:23 PM
(26)
أرسلت له معهم جملتين. الأولى اسمية للتحية، والأخرى فعلية للطلبية.
"عزيزي وخلي".. " تموت تخلي".
التوقيع الشفهي: أم برمة.
* *
عيب. والله عيب. هذا كشف حال. سأستبدلها.

القوني
09-12-2010, 02:48 PM
(98)
في أول "الرشاش" ذهبوا بالأنعامِ للمرعى. ولأنهم خرجوا مبكرين بلل الندى الثياب، والعصافير تتنقل منتشيةً في حبور.
عند منحنى الوادي حيث يرقد "رهد الوزين" أطلقوا الجواد، والحمارَ، والأغنامَ، وجلسوا يلعبون.
رسموا بيتاً، ومدرسة، ومستشفيً.
سأل أحدهم: لو جاءت الدبابة؟
فرسموا سوراً.
وٍسأل آخر: لو جاءت الطيارة؟
فرسموا غيمة.
وسأل آخر: ولو ذهبت الغيمة مع الريح؟
فربطوها. وعندما ربطوها ذابت فأغرقت قريتهم الجميلة، ثم خرجت من الغيمة طائرة فقتلتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. هكذا قالت أمه وهي تطبطب على ظهره. وغطته فواصل النوم وهو ممسكٌ بيدها.

القوني
09-12-2010, 03:17 PM
(43)
للأمانة فهو لم يقل ممنوع دخول الجيران، والعامة، والكلاب.
ما قاله بالضبط وبلا إضافة ولا حذف: ممنوع دخول غير كبار المسئولين، ورجال الأعمال.
تعليمات صريحة واضحة وجهها الوزير لحراسه. فشددوا التدقيق عند باب الحراسة.

القوني
09-12-2010, 04:57 PM
(75)
قلت له: قبل عام 1970 كنت أحسب نيالا أجمل مكان في السودان. فهي مدينتي.
وفي عام 72 كنت أحسب كوستي أجمل مكان في السودان حيث كنت أعمل هناك معلماً فأصبحت مدينتي.
وفي عام 76 كنت أحسب واو أجمل مكان في السودان حيث كنت أعمل هناك معلماً فأصبحت مدينتي.
وفي عام 80 كنت أحسب حلفا القديمة أجمل مكان في السودان حيث كنت أزورها كثيراً فأصبحت مدينتي.
وفي عام 88 كنت أحسب بورتسودان أجمل مكان في السودان حيث أمضيت فيها بعض الوقت فأصبحت مدينتي.
قال: كن جميلاً ترى السودان جميلا.

القوني
09-12-2010, 07:41 PM
(352)
سألني تلاميذ سنة أولى: كيف نكتب.
قلت: إن أردت أن تكتبَ جيداً، فأقرأ لكتابٍ جيدين.
قالوا: نقرأ لهم لنكتب مثلهم؟
قلت: ما أغباكم. اقرأوا لهم لكي لا تكتبوا مثلهم.

حسين محمد يوسف
10-12-2010, 03:54 PM
(98)

رسموا بيتاً، ومدرسة، ومستشفيً.
سأل أحدهم: لو جاءت الدبابة؟
فرسموا سوراً.
وٍسأل آخر: لو جاءت الطيارة؟
فرسموا غيمة.
وسأل آخر: ولو ذهبت الغيمة مع الريح؟
فربطوها. وعندما ربطوها ذابت فأغرقت قريتهم الجميلة، ثم خرجت من الغيمة طائرة فقتلتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. هكذا قالت أمه وهي تطبطب على ظهره. وغطته فواصل النوم وهو ممسكٌ بيدها.
الرائع القوني تسلم وانت هنا تعطر صفحات المنتدي برذاذ الحرف وتروي ظمأ القراء كالنيل يفيض بالخير والتحنان..
صور بهيه وسرد دافئ ملئ بكل التفاصيل في كلمات بسيطة تصل الي الدواخل..
حقيقة انت هنا اجدت التعبير والتصوير والمعالجة ..
نظم وشعر ولحن تسرب هنا واهدانا هذه الدرر..

القوني
03-01-2011, 02:38 PM
(7)
لا تعرف القطط الكتابة. ولكن هل تعرف القراءة؟!
كنتُ أكتب قصة. فجاءت قطتي وجلست أمامي.
قلت في نفسي: سأكتب لها قصة.
فكتبت: كان يا ما كان في قديم الزمان، غابة كثيفة الأشجار كثيرة الثمر، وكانت تسكنها كل الحيوانات. الأسود، الطيور، الغزلان، الفئران، و...
وكانت تنظر إلى يدي وتحرك رأسها يميناً ويساراً تتابع القلم وأنا أكتب. وعندما كتبت كلمة الفئران بدأت تتلفت بحذر.
قكتبت: وكانت هناك قطة صغيرة جميلة تسمى سميرة ـ وهو اسمها ـ فرفعت رأسها ونظرت في عينيّ.
فكتبت: وفي يوم من الأيام استيقظت مبكرة وذهبت إلى...
توقفت عن الكتابة، وضعت القلم، وأشعلت سيجارة.
فمدت يدها ودفعت بالقلم نحوي.
فتناولت القلم وكتبت: قلبت الحكومة وأصبحت رئيسة.
فعضتني وهربت.
هل تعرف القطط القراءة؟!

القوني
03-01-2011, 02:43 PM
(43)
سألني تلاميذ سنة أولى: هل رأيت نيالا والخرطوم يا أستاذ؟
قلت: نعم رأيتهما، وأنا نادمٌ على رؤيتهما.
قالوا: أكنت تتمنى ألا تراهما؟!
قلت: لا. إن لم أرهما، كنت سأتحسر على عدم رؤيتهما.
قالوا: كيف هذا؟!
قلت: هي الحياة. نندم على رؤية ما رأينا، ونتحسر على ما لم نرَ.
قالوا: ونحن نذهب إليهما أم لا؟
قلت: لا فرق. إن ذهبتم ندمتم، وإن لم تذهبوا تحسرتم.

القوني
04-01-2011, 11:53 AM
(7)
البارحة اشتقت للسودان. متُ شوقاً إليه. تذكرت النيل، نوري، سواكن، واو، الجنينة أردمتا، والرشاش. ثم نمت.
فرأيت فيما يرى النائم المشتاق، رأيت أنني تسلمت رسالة من الوطن. فضضتها وقرأت فإذا هي:
ابننا العزيز، متنا شوقاً إليك. ألا تزورنا قبل الانفصال؟
التوقيع: النيل، نوري، سواكن، واو، الجنينة أردمتا، الرشاش.
فبكيت، وبعد أن بكيت، بكيت.

القوني
07-01-2011, 03:47 PM
(56)
ـ بعد عشرين عاماً من البحث المتواصل عثرت اليوم على ما يثبت أن السودانيين قبل النكسة، وقبل إعادة الوحدة كان لهم رئيس وحكومة.
ـ ألف مبروك. هذا إنجاز عظيم دون شك. ولكن كيف عرفت وما الدليل؟
ـ وجدت هذه القصة في مخطوطة من مخطوطاتهم القديمة في متحف تاريخ السودان القبيح. بعنوان ـ قصتان وألف قصة لك يا وطن ـ القصة تقول:
سألت جدتي قلت: يا جدة، هل نعرفين الرئيس؟
قالت: ما الرئيس؟!
ثم سألتها: هل تعرفين الحكومة؟
قالت: لا.
فرسمت لها الحكومة وقد نسيت الرأس.
فقالت لي: هذا "ود أم بعلو".
هذه القصة تثبت وبما لا يدعو مجالاً للشك، أن للسودانيين في بداية الألفية الثالثة رئيس وحكومة.
ـ ولكن ألم تلاحظ أن الكاتب يقول أنه رسم الحكومة ونسي الرأس! أي حكومة هذه؟
ـ ربما كانت الحكومة رجلاً، أو كلباً، أو حماراً، أو شيئاً من هذا القبيل.
ـ لا. لا.. هذا لا يثبت أن للسودانيين حكومة ورئيس في بداية الألفية الثالثة.

القوني
07-01-2011, 04:08 PM
(80)
ـ ( ليومين والعواصم السودانية ما نامت. المظاهرات ليل نهار. في الريف حملوا الطواري، ومن البادية جوا كداري.
أما في مقر جامعة الدويلات السودانية في إحدى دول الوسط، فالمقر محاصر منذ الأمس. منعوهم الطعام والشراب. لا يمدونهم إلا بفتة الفول الخالية من الزيتِ وقطعوا عنهم الكهرباء، والنحاسات تدق طول الليل ليزعجوهم فلا يناموا، وقد سمعنا بعضهم يقول، سهر الجداد ولا نومه. هذا هو الوضع في دويلات السودان صباح اليوم عزيزي محمود.)
ـ ( لا حول الله.. الله يسهل عليهم.. سمعنا أن هناك بعض الهتافات الغريبة.)
ـ (نعم. نعم.. سمعت بعضهم يهتفون: وحدونا سبناكم، ولا أكلناكم(.
ـ ( يا ساتر يا رب.. هل تعتقد أنهم سيأكلونهم فعلاً يا خالد؟)
ـ ( طبعاً. طبعاً.. الأكل بات قاب قوسين أو أدنى. فقط السؤال كيف سيكون؟ شية جمر، سلات، مناصيص، أم حلل(.
ـ ( لا حول الله.. والرؤوس؟ ماذا سيفعلون بالرؤوس؟)
ـ ( نيفة.. سيفعلونها نيفة. فالشعوب السودانية تحب النيفة منذ قديم الزمان(.
ـ ( والأمعاء الغليظة، والدقيقة، وكبير إخوانه؟)
ـ ( أم فتفت. أم فتفت وكمونية. فقد رأينا النساء صباح اليوم وهن يحملن البصل والليمون والدكوة. وعندما سألناهن قلن يا زول هووووي، أفتح عينك. ما لك وما لنا؟.. داير شنو؟)
ـ ( والأرجل؟.. ماذا سيفعلون بالأرجل يا خالد؟)
ـ ( كوارع.. بالتأكيد كوارع.. فأنت تعلم أن ساستهم لا يمشون عليها.)
ـ ( وهل سيأكلون اللحم كله يا خالد؟)
ـ ( لا، لا .. فاللحم كثير جداً كما تعلم.. فهم بالمئات. بعض رؤسائهم عملوا زحمة العام الماضي في مؤتمر العرب، والآخرون عملوا زحمتين في مؤتمر الأفارقة. سمعت تحت تحت، أنهم سيبيعونه كيري.)
ـ ( لمَ لا يعملون منه شرموط؟)
ـ (لا، لا. لا.. لحوم ساسة دويلات السودان لا تصلح للشرموط. فهي دسمة جداً. كلها شحوم(.
ـ ( والعظام .. ماذا سيفعلون بالعظام؟)
ـ ( للويكاب.. العظام سيحرقونها للويكاب.. فكل السودانيين يحبون الويكاب بملاح اللوبيا(.
ـ ( ترى في تقديرك. كيف ستنتهي هذه الأزمة؟)
ـ ( النهاية معروفة. الوحدة مؤكدة، والأكل أيضا مؤكدً.. فقط السؤال متى ستعلن الوحدة؟. قبل الأكل، أم بعد الأكل، أم بينهما؟)
* * *
ملحوظة غير هامة: كتبت هذه القصة بعد إزالة الحدود والسجون. لذا لا حاجة لوضع بعض الكلمات بين قوسين.
ملحوظة أقل أهمية: سأعتمد على فطنة القاريء، وأترك أماكن بعض الكلمات شاغرة.
وغداً دوماً…

القوني
11-01-2011, 10:45 AM
(71)
ـ ليه لا.. على أسوأ الفروض القرعة ما حتجيب واحد أسوأ من دا وعصابته.
ـ طيب خلوه باقي الشهر دا.
ـ لا. لا.. ولا دقيقة. لازم يتغير الآن وفوراً.
ـ طيب انتخبوا واحد جديد.
ـ لا. لا.. ما عايزين انتخابات. كلما ننتخب واحد يطلع ألعن وأفسد من القبله.
ـ ليه مالكم معاه؟!
ـ دا كل مرة عامل لينا مشكلة مع الناس. كل الناس بقوا أعداءنا. بعدين شوف حال الناس الأصغر مننا كيف، وحالنا كيف؟
ـ ليه ماله؟
ـ ما تشوفه كدا عامل فيها بتاع دين، دا صلا ما بصلي. وبسكر كمان. وفي حاجات تانية ما عايزين نفولها.
ـ خلاص ما في مشكلة. مادام مصرين، أنا بكرة حأعمل قرعة للألفا الجديد.
طلعوا الكراسات اكتبوا الملخص ويمشي واحد يدق الجرس.

القوني
11-01-2011, 10:53 AM
(87)
في كل يومٍ ومنذ الشروق وحتى المغيب ونحن ننظر إليها نتأمل. يا روعة المشهد!!
تلفها الغيومُ تارةً وتارة تتوهج، ومرة تبدو كالرغيفة الطازجة الدافئة، ومرة هي أشبه ببطيخة الروثمان الباردة.
يقول عنها الحاج محمود: إنها حارة كالعصيدة.
وتقول عنها الحاجة زينب: إنها باردة كماء الزير.
نرسم لها أشكالاً مختلفة في أذهاننا. نتخيل الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية يجتمعون وينفضون بلا فائدة، ونتخيل بعض الناس يأكلون اللحم اللذيذ، وآخرون لا يأكلون، وآخرون يأكلون فتة الفول، وآخرون يتقاتلون، وآخرون يقتلهم الجيش والمتمردون، وآخرون يدفعون الضرائب والرسوم، وآخرون يستفتون.
بل نكاد نرى النيل وهو يسأل عنا، والجنائن والمزارع، والحقول، ونتخيل بيوتنا "راكوبةًً راكوبةً وقطيةًً قطيةً" وهي تحترق، والدماء تسيل، والأطفال والنساء يصرخون.
ونتخيل أن الوحدة قد عادت، والناس يبحثون عنا.
ما كل هذه الروعة والجمال!! أيوجد منظرٌ أجمل من هذا؟!
ما أجمل منظر الأرض من هنا، من معسكر اللاجئين السودانيين!!

القوني
11-01-2011, 02:48 PM
(2)
" والله غايته جنس دا، أصلو ما شفناه."
عندما تقابلها في الطريق إلى البئر، أو يوم السوق، أو أينما كان اللقاء. تبادرك بهذا القول. حتى وإن حدثتك عنه أمس، وأول أمس، وصباح اليوم. بل حتى وإن عرفت من غيرها أنها كانت تمتلك ديكاً، ودجاجتين، وحماراً، وبقرة، وكان لها ابن يسمى عبد السلام.
أينما قابلتك تقول لك: "والله غايته جنس دا، أصلو ما شفناه." ثم تحدثك أن ابنها عبد السلام حارب في الجنوب، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وهمش كوريب، ودارفور، وأبيي، والمناصير، وأم بادر، وعندما حان الأجل المكتوب مات في السودان.
وقبل أن تسألها عن الحمارِ تخبرك أنهم أخذوه منها لنقل الجنود، وأن بقرتها أصابها لغمٌ عند سفح الجبل فماتت. فأخذوا ديكها والدجاجتين ضريبة عن البقرة التي ماتت قبل تسديد ما عليها من ضرائب.
سبحان الله. كل هذه المصائب تحدث لامرأة واحدة فقط، اسمها "كلتوم"، من أهالي قرية أم دخن، ولا زالت تعيش حتى اليوم؟!
" والله غايته جنس دا، أصلو ما شفناه".

حسين محمد يوسف
14-01-2011, 02:06 PM
القوني تسلم علي الابداع
وهذه الواقعية وهذه السلاسة
والصور والرمزية العميقة..
الا تزورنا قبل الانفصال؟؟؟؟؟
!!!!!!!!!!

القوني
14-01-2011, 07:26 PM
(968)
ـ صباح الخير.
ـ صباح الحَب والنور.
ـ صاحبنا لسع نايم؟
ـ لسع نايم. الظاهر عليه ساهر مع أخبار الاستفتاء.
ـ ما أخبار الجماعة في دارفور؟
ـ والله يا خي الحالة صعبة. الله يعينهم. وصلتك أخبار من البلد؟
ـ أمس وصل جماعة من النيل الأزرق، وكسلا، وكريمة، ومريدي، وجبل مرة. قالوا الوضع لا يطاق. سلّم عليهم.
ـ السلام عليكم
ـ وعليكم السلام.
ـ بالمناسبة إنتو مع الشمال ولا الجنوب؟
ـ والله يا خي ما حددنا لسع. عموماً شمال ولا جنوب كله سودان. حننتظر لحدي ما نشوف الأفضل وننضم ليه.
ـ وإنتو مع منو؟!
ـ والله يا خي فكرتكم دي كويسة. أنحنا برضو حننظر لحدي ما نشوف الأحسن وننضم ليه.
وبالمناسبة. الأستاذ مع منو؟
ـ الأستاذ وحدوي على السكين ومنتظر عودة الوحدة. ما شايفه حزين اليومين دي؟
ـ ما هي دي أحسن طريقة لعودة الوحدة من جديد. الانضمام للجانب الأفضل.
ـ يا ريت يا خي لو نقدر نوصل ليه الفكرة. الله.. لو بس يعرف لغتنا!!
عندها خرجت إليهم وأنا أقول وكأنني أحدث نفسي: صباح الخير.
فسمعتها تغرد.
قلت وكأنني أحدث نفسي: والله فكرة جميلة. الانضمام للآفضل.
فسمعتها تغرد.
قلت: يا سلاااام على النيل الأزرق، وكسلا، وكريمة، ومريدي، وجبل مرة.
فسالت منها دمعة، ومني سالت دمعة.
نثرت لهم الحب. وبعد أن شبعوا سمعتهم يدعون لي: أعاد الله علينا وعليك الوحدة. يا جميل.
وأضافوا: عندما نعود إلى أرض الوطن، سنبني أعشاشنا في بيتك. هل تعرف زراعة الأشجار والأزهار؟
فتبسمت.
قلت وكأنني أحدث نفسي: آمين.. ووعد مني إن عدنا إلى أرض الوطن، لأبني بيتي أشجاراً وأزهاراً.
قالوا: وسنبني لك معنا عشاً، ونغرد لك طول اليوم.
قلت وكأنني أحدث نفسي: كنت أظتكم لا تفهمون لغتي.
قالوا وكأنهم يحدثون بعضهم: وكنا نظنك لا تفهم لغتنا.
ثم طاروا. فأحدثت أجنحتهم صوتاً عالياً أيقظني من النوم وأنا أقول " اللهم اجعله خير"
فإذا بالجزار يطرق الباب بشدة، ويقول لصاحب الخضار، إلى متى سنصبر عليه؟!

القوني
15-01-2011, 01:57 PM
(9)
أرسلت الأم خطابين. الأول لابنها في الدفاع الشعبي، والآخر لابنها المتمرد: قُتل أبوكم. من منكم قتله؟!

القوني
15-01-2011, 02:02 PM
(966)
معسكر العودة الطوعية الخرطوم.
ـ لأسبوعين ونحن في المعسكر بلا مأوى. نعاني من حر النهار وبرد الليل. بلا ماء ولا طعام وكأنه لا توجد حكومة.
معسكر العودة الطوعية جوبا.
ـ لأسبوعين ونحن في المعسكر بلا مأوى. نعاني من حر النهار وبرد الليل. بلا ماء ولا طعام وكأنه لا توجد حكومة.
أهناك دليل على الوحدة أكثر من ذلك؟!
حرٌ، وبردٌ، وانتظار، وحكومة. وحتى الحكومة في الحالين معدومة.

القوني
15-01-2011, 04:52 PM
(965)
قال لي تلاميذ سنة أولى: اكتب لنا " كن جميلاً ترى الوجود جميلا" وسنكتبها بخط الرقعة.
سألتهم: ولم خط الرقعة؟! لمَ لا تكتبونها بخط النسخ؟!
قالوا: خط النسخ لايناسب هذا النوع من الجمل.
سألتهم: كيف؟
قالوا: كيف ترى الوردة؟
قلت: جميلة.
ـ وعندما ترى قفاها؟
قلت: قبيحة.
قالوا: إذاً فاتنظر إلي وجهها دائماً.
سألتهم: وكيف ترون الوجود؟
قالوا: رغم أن الوجود معتم جداً هذه الأيام، إلا أننا نحاول أن نجد له وجهاً جميلاً نراه منه.
سألتهم: وهل وجهه جميل؟
قالوا: جميل جداً. وأجمل ما فيه إعادة الوحدة.
قلت: بل أجمل من إعادة الوحدة ما بعد الوحدة.
الوا: هكذا نريد أن نراك. رأيناك حزيناً هذه الأيام لا كما عهدناك. فطلبنا منك أن تكتب لنا هذه الجملة. كن هكذا دائماً يا أستاذ.
قلت: حاضر.

القوني
16-01-2011, 11:05 AM
(7)
قلنا له: مبروك الجلابية الطويلة، العريضة، الجديدة.
سألنا: أعجبتكم؟
قلنا: نعم.
قال: وتريدون مثلها؟
قلنا: نعم نريد مثلها.
قال: إذاً اسمعوا حكايتها. قبل يومين اشتريت خمسة أمتار ونصف من القماش، وذهبت إلى الخياط. قلت له، هذه الأمتار الخمسة للجلابية، والنصف غداؤك. فقد سمعت أنك تأكل القماش.
ثم عدت إليه اليوم، وتسلمت منه هذه الجلابية الطويلة، العريضة، الجديدة، التي أعجبتكم.
ولكن لسوء الحظ لم يكن هناك أحد من السودانيين. لو أنهم هناك لاستفادوا من التجربة واكتسبوا خبرة، ولذهبوا إلى الحكومة وهم يحملون الميزانية وبعض المال، وقالوا لها، هذه الميزانية للخدمات والتنمية، وهذا المال غداؤكم. فقد سمعنا أنكم تأكلون القروش.
قلنا: عيب يا عبد الرحمن. يا أخي احترم نفسك اللهم اشهد على عبد الرحمن.

القوني
17-01-2011, 04:09 PM
( 961)
البارحة سربٌ من الطائرات عديمة اللون حبلى، حط على بيتي.
فاض وادي أزوم، التقى ببحر الجبل، بالقاش، بعطبرة.
الأعاصير اقتلعت الأشجار. أشجار الشوك غاصت.
المشنقة الأولى زادت على الألف، والثانية تجاوزت الألفين، والعاشرة قالت هل من مزيد.
ثم غيض الماء. الأزهار في كل مكان. ثم تحولت الطائرات إلى فراشات زاهية الألوان.
قالت: لا تبك. يا ضنين الوعد، وعدتنا بالعودة قبل الانفصال ولم تأتِ، فجئنا بعد عودة الوحدة نزورك.
قلت: من أنتم؟
تحولت الفراشات إلى طائرٍ جميل، أهداني غرسةًً وشمعة.
قال: أنا السودان الجديد.
استيقظت على أصواتهم وهم يعلنون الانفصال، فابتسمت.
غرست الغرسة، وأشعلت الشمعة ووضعتها في مكانٍ ليس ببعيد.

القوني
17-01-2011, 04:22 PM
(7)
لا، لا.. الحكاية طويلة. في الليلة الماضية اجتمعنا في الداخلية ليلاً، واتفقنا أن نتسلل فرادى خارج القرية قبل شروق الشمس حتى لا يشعر بنا أحد، ونلتقي في مكان المعسكر جوار الرهد.
في الصباح كانت القرية خالية من تلاميذ المدرسة الوسطى. كأنما تخطفهم الطير. لا أحد منهم حتى ليُسأل عن الباقين. بحثوا عنا في كل مكان بلا فائدة. قال أهل القرية: هذا شيء عجيب!!
هناك لم نجتمع في مكان واحد. قضينا يومنا نتجول. ولم يكن معنا زاداً ولكنه " الدرت" أكلنا " الستيب" و"العنكوليب", و"اللوبيا" و"التبش"، وسبحنا في الرهود، ولاحقتا الفراشات، وتحرشنا بالعصافير، ثم عدنا في المساء.
اليوم التالي وافق العشرين من أكتوبر. ضربونا ضرباً بلا شفقة. واليوم الذي يليه كان الحادي والعشرين منه.
سألني تلاميذ سنة أولى: هل كان أكتوبر يستحق كل هذا العناء؟!
مرّ خيال فرعون أمامي، تحسست ظهري، بصقت.
قلت: لا.

القوني
17-01-2011, 04:43 PM
(959)
من أين يأتي الناس بهذه الأساطير العجيبة؟!
بعد عودة الوحدة بخمسين عاماً، حكت حفيدتي لحفيدتها أحجية. قالت: كان يا ما كان في قديم الزمان، ظهرت في أنهار السودان حيواناتٌ قبيحةٌ مخيفةٌ أخافت التماسيح، وفي البر أيضاً ظهرت حيواناتٌ قبيحةٌ مخيفةٌ أخافت الأسود.
كان هذا أيام رئيس يقال له نميري. في تلك الأيام كان الناس يكرهون الخراف. بعضهم لا يصدقونها، وبعضهم يضمرون لها شراً لسوء فعالها. فلبست بعض الخراف جلوداً غريبة مخيفة وعاشت في البحار فخافتها التماسيح، ولبس بعضها جلوداً غريبة مخيفة وسكن البر فأخاف الأسود.
لم تكتشف التماسيح والأسود هذه الحقيقة إلا بعد عودة الوحدة. عندها علمت التماسيح والأسود أن هذه الحيوانات القبيحة التي كانت تخيفها، ما هي إلا خرافاً.
ومن ذاك اليوم وحتى اليوم، والتماسيح دمعها لم يتوقف، والأسود أصابت عيونها من شدة البكاء حمرة. وهي تقول في نفسها بحسرة. كيف انطوت علينا هذه الحيلة؟!
من أين يأتي الناس بهذه الأساطير العجيبة؟!

القوني
18-01-2011, 03:59 PM
(754)
محمد يسكن القرية، ومحمود في الفريق. البارحة زار محمد صديقه محمود في الفريق وسمر عنده إلى وقتٍ متأخرٍ من الليل.
في الصباح خرج محمود بجماله إلى المرعى، وهناك وجد ذئباً وبدأ بملاحقته وترك متاعه تحت شجرة جوار قطيع الجمال.
أما محمد فلم يجد تلفونه عندما استيقظ من النوم، فاتصل بصديقه يسأله.
ـ ألو.. كيفك؟
ـ الحمد لله.
ـ أين أنت؟
ـ أنا في البادية.
ـ أية بادية؟!
ـ البادية حيث الطرق المسفلتة، والأبار، ومزارع الألبان، والمراعي الخضراء، والعشب اللذيذ.
ـ والعشب اللذيذ!! يا سلااام. خيالك خصب. وما دامت هذه البادية. فكيف الريف؟
ـ الريف حيث المدارس، والمستشفات، والفلل، والمنتزهات.
ـ أية بادية، وأي ريف هذا؟
ـ إنها بادية الوحدة الثانية وريفها.
ـ أنت اليوم مزاجك رايق. يا لذيذ يا رايق. وماله صوتك؟
ـ صوتي غير واضح لأنني أمسك التلفون بخفي، وأضعه على سنامي.
ـ خفك، وسنامك؟!! من أنت؟!!
ـ أنا الجمل.

القوني
19-01-2011, 10:42 AM
(7)
في مدينة ميونخ استيقظ مستر ميشيل من النوم وقال لزوجته: رأيت في المنام حلماً غريباً.
قالت: اللهم اجعله خير.. ماذا رأيت يا عزيزي؟!
قال: رأيت أنني استيقظت مبكراً ولم أجد سكراً للشاي، ولا طعاماً في البيت، وشيء كبير يتفتت، وشياطين قبيحة تلاحق الناس تضربهم.
ثم ذهبت إلى السوق فوجدت كيلو البامية بعشرين دولاراً، والسكر بدولارين. ثم عدت إلى البيت فنمت. فرأيت أعاصير وبراكين تجتاح البلاد، ثم تحول المكان إلى حديقة خضراء، ومزارع للفواكه والحبوب، وقطعان الماشية، وقد تجمع ذلك الشيء الكبير من جديد، وملائكة يطوفون على الناس يساعدونهم.
قالت: هذا ليس حلماً يا عزيزي. إنه السودان. أنسيت أننا كنا نقيم هناك طيلة السنوات العشر الماضية؟!

القوني
20-01-2011, 02:19 PM
(952)
لنا في قريتنا هذه ـ العيلفون ـ لنا بئر قديمة توارثناها أباً عن جد. لا نعرف من حفرها ولا متى. لا نشرب من مائها ولا نسقي الأنعام ولا المزارع. عندما تنظر إلى مائها وأنت مغمض عينيك، ترى أشياء غريبة عجيبة.
حدثنا الأجداد قالوا: كنا نرى الإنجليز وهم يغادرون البلاد.
وحدثنا الآباء قالوا: كنا نرى الجنوبيين يتجهون نحو الجنوب، والشماليين يتجهون شمالاً.
أما نحن فحدثنا أبناءنا بما رأينا. قلنا: كنا نرى الجنوبيين يتجهون نحو الشمال، والشماليين يتجهون جنوباً.
هذه البئر مع أننا توارثناها أباً عن جد، إلا أننا لا نشرب ماءها، ولا نسقي منها الأنعام ولا المزارع.

القوني
22-01-2011, 05:02 PM
(754)
بعد عشر سنوات من فصلهم الجنوب، وقبل عشر سنوات من عودة الوحدة، كتبت الحاجة آمنة خطاباً لابنها محمود المقيم في جنوب الوطن.
كتب الخطاب عمي خميس الذي تخرج من الجامعة وبقي بالمدينة لبيع الأكياس جوار الجزارة، وعاد إلى القرية في زيارة.
يقول الخطاب:
ابني محمود، أبوك مريض ومافي قروش نوديه المدينة، والأكياس في الجزارة معدومة، واللحمة غالية.
وكان الرد كما يلي:
أمي العزيزة، نرجوكم الحضور. أنت، وأبي، وإخوتي، والجيران، وكل ناس الحلة، لجنوب الوطن.
لا داعي للجوازات فالحدود مفتوحة، ولا تبلغوا الحكومة.
الدواء هنا متوفر، والأكياس كتيرة وكبيرة، واللحمة رخيصة.
ولكن لم يصل الخطاب. صادرته الحكومة.
فمات الأب، ولم تعد الحاجة آمنة آمنة، وعاد عمي خميس الذي تخرج من الجامعة وبقي بالمدينة لبيع الأكياس جوار الجزارة إلى المدينة.
وأنا كتبت قصتهم، يعني لأنه بسبب التاريخ، ولأنه ما تقول أجيال الوحدة القادمة، ليه ما كتبتوا لينا؟ عشان كدا يا هو كتبنا.
وأنا مبسوط اليوم. فطرت بموية فول، وتعشيت بالفول زاته، وسجلت مع ناس "وحدويون بلا حدود".
والما سجل يلحق يسجل. ما تقولوا ما كلمناكم.

القوني
22-01-2011, 05:11 PM
(942)
ـ إذاً ما فائدة الرئيس؟!
ـ الرئيس السوداني يا عزيزي يرعى البطاطس، ويزرع الأغنام. ثم أنه ثقافة. الرئيس ثقافة يا أخي. الرئيس ثقافة.
الرئيس العاقل تتغمص روحه الشعب، والرئيس الطائش يتغمص الطيش شعبه.
يا أخي يكفيك اسمه. قُسَم قََسَم القسيم. هل هذا اسم آدمي؟! متى نتعظ يا أخي متى نتعظ؟. ألم يقشرنا قاشر قشيري؟
ـ والله مشكلة. والحل؟! ماذا أقول لهم. كلهم يسألونني، أنسيتم أم أبدلتمونا؟
ـ بسيطة. الحل أن تكتب لكل أصدقاء السودان الذين كنا ندعوهم لمشاركتنا عيد الاستقلال في الجالية، وتخبرهم أننا لن نحتفل هذا العام. قل لهم نسيناكم، أو أبدلناكم، أو نسيناكم وأبدلناكم، أو وضعناكم تح.. لا، لا.. هذه كبيرة.
اتصرف يا راجل، إتصرف. لا تضيق على نفسك. لديك رصيد هائل من روح الرئيس.

القوني
22-01-2011, 05:19 PM
(944)
هل كان حباً يا ترى!! أم كان وهم الواهمين؟!
زارنا الرئيس في معسكرات اللاجئين السودانيين الخمسة.
قال: اجعلوها أربعة.
فألحقنا الغرب بالجنوب.
وعندما زارنا في العالم التالي قال: اجعلوها ثلاثة.
فألحقنا الشرق بالجنوب والغرب.
وعندما زارنا في العام التالي قال: اجعلوها اثنتين.
فألحقنا الشمال بالجنوب، والغرب، والشرق.
وعندما زارنا في العام التالي قال: اجعلوه واحداً.
فألحقنا الوسط بال..........
هل كان حباً يا ترى!! أم كان وهم الواهمين؟!
انتهت الأغنية فاستيقظت من الحلم، أغلقت التلفاز، ونمت.

القوني
22-01-2011, 05:25 PM
(943)
سألني إسلامي: الوطن، أم الشريعة؟
قلت: الوطن وطننا، وللشريعة ربٌ يحميها.
قال: كافر.
قلت: نحن آل البيت دائماً خيارنا الإبل.
فاسوّد وجهه.

القوني
23-01-2011, 03:44 PM
(938)
طيوره المهاجرة عادت إليه في الخريف.
قال القادمون من آسيا: كل السودانيين هناك. عددهم هناك أكبر من الباقين هنا بكثير.
قال القادمون من أوروبا: كل السودانيين هناك. عددهم هناك أكبر من الباقين هنا بكثير.
قال القادمون من أستراليا: كل السودانيين هناك. عددهم هناك أكبر من الباقين هنا بكثير.
قال القادمون من الأمريكتين: كل السودانيين هناك. عددهم هناك أكبر من الباقين هنا بكثير.
تراهنوا. وبعد الإحصاء تبين أن السودانيين الباقين في السودان هم الأكثر، يليهم القطب الشمالي، مع أنهم لم يذكروه.

القوني
23-01-2011, 03:46 PM
(937)
ـ طع ربك، لا تؤذ الآخرين، بر والديك، أكرم جارك، لا تكذب، لا تسرق.
زارنا مدير مدرستنا الفكي "أبو كورة" في حصة التربية الإسلامية.
قال: لمَ لا تعلمهم الدين؟
قلت: وما هذا؟! هذا هو الدين.
قال: وأين النصوص؟!
ـ قلت: النصوص تأتي بعد الفهم. ثم أن الدين ليس نصوصاً. ما النصوص إلا وعاء لوضع المعاني. لو أن المعاني تعبأ، لعبئت في أكياسٍ من النايلون، أو جوالات دون أن تفقد قيمتها.
قال لنا: يا كفار.
فهب تلاميذ سنة أولى لضربه.
قلت لهم: دعوه. فالفكي "أبو كورة" مدير مدرستنا معذور. فهو لا يحفظ جدول الضرب، ويحسب الطائرات من الطيور.
فكتبوا في جريدة الحائط: مدير مدرستنا الفكي "أبو كورة" معذورٌ لجهله. ومن العبث أن تغضب من جاهلٍ أو تأخذ برأيه.
بعد يومين قلت في نفسي: ليتني تركت تلاميذ سنة أولى ضربوه حتى يكون فصلي لسبب وجيه.
وكتبت في دفتر مذكراتي: لا تتدخل بين تلاميذ سنة أولى، والفكي "أبو كورة"، وإلا انفصل الجنوب.

القوني
23-01-2011, 03:53 PM
(936)
ـ حمداً لله على السلامة.
ـ الله يقبل حمدك.
ـ متى عدت من البلد؟
ـ قبل يومين.
ـ كيف العجوز، والشريف عبد الله؟
ـ بخير.
ـ وأمي وأبي؟
ـ بخير.
ـ وديكنا وجواد عمي عمر؟
ـ بخير.
ـ ووادي الدليب وغابة القمبيل؟
ـ بخير.
سألني من يجلس بقربي: من العجوز والشريف عبد الله اللذان سألت عنهما قبل أمك وأبيك؟! أهما جدك وجدتك؟!
قلت: لا. هما شجرتا عرديب في قريتنا.

القوني
23-01-2011, 04:02 PM
(935)
ـ كيف تتعامل مع تلاميذ سنة أولى؟ كيف تشعرهم أنك غير راضٍ عنهم؟
ـ بسيطة.. أدخل الفصل، أسلم عليهم، ثم أسألهم.
ـ هل أنتم مع الحكومة؟!
ـ لا.
ـ مع المعارضة؟!
ـ لا.
ـ مع المتمردين؟!
ـ لا.
فأقول لهم: ليتهم اختاروكم "رئيساً"
فيكتبون فوق عنوان درس ذاك اليوم "نحن نعتذر"
ـ وكيف تعرف أنهم عاتبون عليك؟
ـ بسيطة.. أدخل الفصل، أسلم عليهم، فيسألونني.
ـ هل أنت مع الحكومة؟!
ـ لا.
ـ مع المعارضة؟!
ـ لا.
ـ مع المتمردين؟!
ـ لا.
فيقولون لي: ليتهم اختاروك رئيساً.
فأكتب فوق عنوان درس ذاك اليوم "أنا أعتذر"

القوني
24-01-2011, 11:48 AM
(933)
وقف الحاوي في منتصف الدائرة وخاطب الجميع: فكر في شيء. أي شيء. واخبر جارك سراً، وأنا سأعرفه من يدك.
مشيراً: أنت الأول.
أحد المشاهدين يفكر قليلاً، يهمس لجاره، يتقدم.
الحاوي ممسكاً بيده يتأمل: حدثت جارك عن غلاء المعيشة.
أمين السر: نعم. هكذا حدثني.
يضحك الجمهور.
مشيراً: أنت الثاني.
أحد المشاهدين يفكر قليلاً، يهمس لجاره، يتقدم.
الحاوي ممسكاً بيده يتأمل: قلت لجارك، الإسلاميون فتتوا الوطن.
أمين السر: نعم. هكذا حدثني.
يضحك الجمهور.
مشيراً: أنت الثالث.
أحد المشاهدين يفكر قليلاً، يهمس لجاره، يتقدم.
الحاوي ممسكاً بيده يتأمل: قلت لجارك، هذه الحكومة تستحق ما حدث في تونس..
أمين السر: نعم. هكذا حدثني.
يضحك الجمهور.
الحاوي: سلوني عن أي شيء.
أحد المشاهدين يسأل: هل ستسقط هذه الحكومة؟
الحاوي: أراها محمولة على نعش. البركة فيكم.
الجمهور يضحك، ثم تدوي الهتافات "يا الخرطوم جوطي، جوطي"
هل صدقت أن هذا حاوي؟! إنها من ألاعيب المعارضة. يُضحِكوننا على أنفسنا.. ألم أقل لك لا ألعن من الحكومة إلا المعارضة؟

القوني
24-01-2011, 11:56 AM
(932)
أحبها وأحبته، فانتصب الجبل.
في القمة مرتع الأحزاب، وفي السفح مخبأ العسكر.
فمات شوقاً إليها، وإليه شوقاً ماتت.

القوني
24-01-2011, 05:33 PM
(929)
ـ هل لديكم غابات، وجبال، ونيل، في السودان؟!
ـ نعم.
ـ ماذا تفعلون بالغابات؟!
ـ ندخلها عندما نتمرد.
ـ والجبال؟!
ـ نتسلقها إن تمردنا.
ـ والنيل؟!
ـ النيل لا يصلح لشيء.

القوني
26-01-2011, 10:45 AM
(924)
ـ تمخض الجبل فولد فأراً.
ـ وهل توقف الإنجاب إلى هنا؟
ـ لا. تمخض الفأر فولد "شيخات الأنادي"، والسياسيين، والمثقفين، ورجال الدين.
ـ وهل توقف الإنجاب عند هذا الحد؟
ـ لا. تمخض هؤلاء فولدوا فساداً.
ـ وهل توقف الإنجاب عند هذا الحد؟
ـ لا. تمخض الفساد فولد أشياء صغيرة بالكاد ترسم في خارطة العالم تُسمى دويلات السودان.
ـ وهل توقف الإنجاب عند هذا الحد؟
ـ لا. تمخضت ...
ـ يا أستاذ، يا أستاذ.. أرسم كم رجلاً للرئيس؟!
ـ سبعة يا غبي. سبعة.
كنت مع تلاميذ سنة أولى نجلس تحت شجرة منقا تتوسط المدرسة. قلت لهم: ارسموا أشكالاً مختلفة لحيوانات مضرة.
لمحت أحدهم وهو يرسم فأراً. فقلت: تمخض الجبل فولد فأراً.
فتلاحقت الأسئلة والأجوبة حتى وصلنا إلى هذا الوضع الشنيع.
ملحوظة: لمن لا يعرفون المدارس. فالمدارس أماكن كانت تستخدم للدراسة.
وجب توضيح معنى هذه الكلمة، لأن بعض الناس نالوا شهادات عليا دون أن يدخلوا المدارس. مارسوا القفز العالي من الخلوة إلى الجامعة، ومنهم من حصل عليها دون أن يغادر خلوة الفكي " أبو كورة" منحهم الفكي الشهادات وختمها بالختم الذي منحته له الحكومة. وقد أصبح بعض هؤلاء بروفظرات وفي أيديهم مصير الأمة.
وأنا لا أكتب هذا الكلام وأنا سخران. لم أسخر اليوم. أقوله ليستحوا ويقدموا استقالاتهم. فنحن بصدد إعادة الوحدة، والوحدة لن تعود والحال هكذا.
لذا أرجو المعذرة.

القوني
26-01-2011, 10:53 AM
(923)
ـ أنت؟!! اللهم لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه.. أنت؟!!
ـ نعم أنا.. كل يوم بعد اليوم الدراسي، اشتري لوري، وألف عمتي كبيرة، وأفرشه في نص السوق وأبيعه. فكر يا خي ترجع البلد. والله أنحنا عايشين في نعمة.
ـ نعمة؟!!
ـ أيوه والله نعمة. أنا بطلّع مصاريفي في أمان الله.
ـ أمان الله؟!!
ـ أيوه أمان الله. وزبايني كتااااار. كل الطلاب بشتروا من.
ـ كمان!!! وعلي الطلاق، في زمانا لو أشوفك مش بتبيع، حتى لو أشوفك بتشتري، ما تدخل مدرستي تاني. والله مسخرة آخر زمن. أستاذ يبيع بطيخ؟! بطيخ؟!! بطيخ؟!!!

القوني
26-01-2011, 11:02 AM
(922)
ـ كيف تعرف الانفصالي؟
ـ الانفصالي يتصبب عرقاً.
ـ ولمَ يتصبب الانفصالي عرقاً؟
ـ تريد أن تعرف؟
ـ نعم.
ـ إذاً اسمع.. احتفالاً بعيد الاستقلال هذا العام والوطن يتفتت، اعتليت المنصة فلم أجد ما أقول. عندها علق أحد الحضور: أنت تسخر من الجميع، وتتهمهم بتفتيت الوطن.
قلت: اطمئن يا عزيزي، لا تضع نفسك موضع اتهام، ولا تحسب نفسك في مأمن. فالخطة تشملنا جميعاً. بدءوا بالجنوب، يليه الغرب، ثم الشرق، ثم الشمال، فالوسط.
نحن أمام حريق، وعليك أن تحدد موقفك. أمعنا أنت، أم مع من صب علينا الزيت؟!
أما ما مصلحتهم في ذلك، فدعني أسأل الفأر أولا: يا عزيزي الفأر، لم تأكل الصابون؟!
إن أجابني، أجبتك.
يا عزيزي اركب معنا مركب "وحدويون بلا حدود" فنحن لا يهمنا الجنوب، ولا الغرب، ولا الشرق، ولا الشمال، ولا الوسط. نحن همنا السودان الوطن الواحد ما قد كان وما سيكون.
نحن نريد أن نوقظ هذا الغول النائم يغفو.
تمسك بالأسد ودعك من "المرافعين"
ولم أترجل من المنصة إلا بعد أن غنينا "الفي الجنوب، حيي الشمال"
وقتها كان بعضهم يغادر وقد تصبب عرقاً.
ـ ولكن لمَ يتصبب الانفصالي عرقاً في عيد الاستقلال مع أن العيد في الشتاء؟!
ـ يتصبب الانفصالي عرقاً في عيد استقلال السودان مع أن العيد في الشتاء، لهذه الأسباب، وأسباب أخرى لن أذكرها هنا خوفاً على البوست من البلل.

القوني
27-01-2011, 11:29 AM
(917)
ـ ما حكاية "خور الطلبة" يا جدي؟
ـ "خور الطلبة" حكايته طويلة.
يقال أن مجموعةً من طلاب جامعة الخرطوم في منتصف القرن العشرين، قاموا برحلةٍ صيفيةٍ إلى جبل مرة.
وقتها لم يكن الجبل كما هو الآن. كانت هذه الأنهار أودية. والجامعة أيضاً لم تكن كما هي في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة. كان الطلاب يقرءون ويكتبون. وكانت الطرق وعرة.
يقال أن " اللوري" الذي كان يقل الطلاب والطالبات تعطل في أعلى قمة الجبل وتدحرج إلى أسفل الوادي. قال سكان القرى هناك أن "اللوري" مر بهم يهرول والطلاب يصرخون ويستنجدون. وبعد يومين عثروا على حطام "اللوري" ولكن المفاجأة أنهم لم يجدوا الطلاب. لم يجدوا حتى جثثهم. بحثوا عنهم في كل مكان ولعدة أيام ولكن لم يعثروا لهم على أثر. وكان لغزاً محيراً.
بعد عدة سنوات حكى بعض أهالي المنطقة أنهم كانوا يرونهم وهم يتجولون في المنطقة. ويحكى أيضاً أنهم تكاثروا وأقاموا مملكة امتدت من "كاس" إلى "زالنجي" وكانت عاصمتهم تسمى " كرلي"
ورُويّ أيضا أنهم تعلموا السحر. فلا أحد يرى قراهم أو يدخلها.
ومن ذاك اليوم وحتى اليوم، لا يستطيع رئيس ولا وزير سوداني عبور تلك المنطقة.
روى أحد السائقين قال: سافرت من نيالا إلى زالنجي وكان برفقتي وزير. وكنت خائفاً ومسرعاً فلم أنتبه لشيء. وعندما توقفت في زالنجي لم يكن الوزير في السيارة.
ومن الحكايات أيضاً، ما حدث لأحد الرؤساء في بدايات القرن الحادي والعشرين. يُقال أنه لم يعبر هذا الطريق ولكنه زار بعض القرى المجاورة. فلم يعد إلى العاصمة الخرطوم، إلا وهو مصاب بالصلع، وإحدى قدميه معطوبة. مسكين. سرقوا عليه طاقية الركبة.
ـ يا جدي، هل هذه الحكاية حقيقية؟!
ـ لا أدري. ولكن بعض معالمها لا زالت ما ثلة للعيان حتى يومنا هذا، وبعض وقائع التاريخ تؤكد بعض التفاصيل. عد إلى التسجيلات القديمة. ستجد أن أحد الرؤساء القدماء له صلعة ويعرج.

حسين محمد يوسف
27-01-2011, 12:37 PM
يا عزيزي اركب معنا مركب "وحدويون بلا حدود" فنحن لا يهمنا الجنوب، ولا الغرب، ولا الشرق، ولا الشمال، ولا الوسط. نحن همنا السودان الوطن الواحد ما قد كان وما سيكون.


وما ابلغها من رسالة اخي القوني وحدويون بلا حدود حدودنا الوطن الكبير
لا تعنينا جغرافية المكان وخطوط الكنتور المتعرجة
فالوجدان والقلب واحد...ولا غير ذلك وبلا مزايدات...

القوني
28-01-2011, 03:58 PM
(916)
ـ إن خيرت بين وزير وتاجر. أيهما تختار؟!
ـ في الحقيقة وضعتني أمام خيار صعب. فالوزارة خيراتها كثيرة كالرشاوى والاختلاسات، والتجارة أيضاً لها ميزات منها التهريب والاحتكار. لمَ لا تمنحني خياراً ثالثاً؟!
ـ هو لك.
ـ الوزارة والتجارة.

القوني
28-01-2011, 04:01 PM
(915)
في اتصال هاتفي مع أحد أعضاء تنظيم "وحدويون بلا حدود" سألني: ما خططتكم لإعادة الوحدة بعد إعلان الانفصال؟
قلت: ابتداءً من التاسع من يناير بدأنا التحرش بالإسلاميين لإخراجهم من صياصيهم وإحراقهم. في الأسبوع الماضي أعلنا عن مناظرة بعنوان "ضرب غلمان الجامعات، لبنات السودان المسكينات"
بدءونا بتكتيكهم المعهود المعروف بالإرهاب الفكري. قالوا: هذه حدود الله ومنصوص عليها في القرآن ومجرد الحديث عنها يؤدي بصاحبه إلى الكفر والنار والعياذ بالله. هكذا قالوا.
وبادرناهم بتكتيكنا المعهود لإثبات جهلهم. سألناهم: هل الطائرات من الحشرات أم الطيور؟
قالوا: من الطيور.
قلنا: مادامت طائراتكم من الطيور، إذاً ما قولكم في الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وقد جمد حد السرقة في عام الرمادة وهو منصوص عنه في القرآن؟
فأفحمناهم.
ولكن لم نرجمهم ثأراً لبنات السودان المسكينات. أبقيناهم للجولة القادمة. فنحن نلعب معهم لعبة القط والفأر.
سألني: ألا تخافونهم؟!
قلت: نخاف؟! نخاف من؟

القوني
28-01-2011, 04:03 PM
(914)
"الحجل بالرجل يا حبيبي سوقني معاك"
ـ نعم كل ذلك ما أفاد. فاندلعت الثورة وعمت كل القرى والمدن.
ـ كل القرى والمدن؟!
ـ نعم كل القرى والمدن. وكانوا يحملون معهم المشانق أينما ذهبوا.
ـ يحملون معهم المشانق؟!
ـ نعم يحملون المشانق. وشنقوا الحكومة، والمعارضة، والتمرد.
ـ شنقوا الحكومة، والمعارضة، والتمرد؟!
ـ نعم الحكومة، والمعارضة، والتمرد. وشنقوا معهم كل المفسدين من التجار، والمثقفين، ورجال الدين.
ـ كل المفسدين من التجار، والمثقفين، ورجال الدين؟!
ـ نعم. وحلوا كل الأحزاب الدينية، والقبلية، والجهوية.
ـ كل الأحزاب الدينية، والقبلية، والجهوية؟!
ـ نعم. ووضعوا دستوراً يساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات.
ـ يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات؟!
ـ نعم. في الحقوق والواجبات. ووضعوا هيكلاً جديداً برئيس واحد، وحكومة واحدة، وبرلمان واحد، وتسع محافظات.
ـ رئيس واحد، وحكومة واحدة، وبرلمان واحد، وتسع محافظات؟!
ـ نعم. وتركتهم يبنون المدارس، والمستشفيات، ويعبدون الطرق.
ـ يبنون المدارس، والمستشفيات، ويعبدون الطرق؟!
ـ نعم. واستعادوا كل الأموال المسروقة في الداخل والخارج.
ـ حدث كل هذا وأنا لا أعلم؟!
ـ نعم حدث كل هذا وجئت أبشرك. وإن لم تصدقني هيا معي إلى الوطن لتر بعينك.
ـ أصدقك ياعزيزتي العصفورة. أصدقك.. عودي إلي الوطن وسألحق بك.
ـ لا، لا.. "الحجل بالرجل"
استيقظت على ضجيج المارة من حولي، وبدأت أغني مغتبطاً:
"الحجل بالرجل يا حبيبي سوقني معاك"

القوني
29-01-2011, 10:29 AM
(913)
قالت لصديقتها وهما تجلسان تحت الراكوبة: انظري، انظري يا فاطمة. ماهذا؟!
ـ إنه جلد ثعبان.
ـ وهل يخلع الثعبان جلده يا فاطمة؟!
ـ نعم يخلعه. يكون له جلد إسلامي عندما يفقس من البيض، ثم يغيره إلى عسكري إسلامي، ثم يغيره بعد عامين إلى انتقالي إسلامي، ثم بعد أربعة أعوام إلى عسكري حزبي إسلامي، ثم يغيره بعد عشرين عاماً إلى....
وقتها كان أحد رجال الأمن يمر بقربهما فسكتتا. وقد نسيتْ أن تسألها بعد أن غادر فبقي الأمر سراً ولم نعرف يغيره إلى ماذا. لو علمنا لأخبرناكم. ولكننا نتوقع أن يغيره هذا الأيام.

القوني
29-01-2011, 05:31 PM
(908)
بعد إعلان الانفصال، أعلنتُ عن محاضرةٍ لأعضاء جاليتنا بالدار. حضر الكبار والصغار، النساء والرجال، الشرق، الغرب، الجنوب، والشمال.
اعتليت المنصة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الإخوة أبناء السودان، إزيكم...
أمسكت رأسي، بطني، يدي، قدمي، ظهري، وأنا أتلوى: آآآه. آه..
ـ مالك؟!
ـ آه..آآه.. تعبان. تعبان.
ـ نجيب ليك ليمون؟!
ـ آآه.. لا، لا.. آه.. الليمون يذكرني الجنينة.
ـ نجيب ليك منقا؟!
ـ آآه.. لا، لا.. المنقا بتذكرني كسلا.
ـ نجيب ليك تمر قنديلا؟!
ـ آه.. لا، لا.. القنديلا بتذكرني الباوقة.
ـ نجيب ليك أناناس؟!
ـ آآه.. لا، لا.. الأناناس بذكرني مريدي يا ناس.
ـ نجيب ليك سمك؟!
ـ آآه.. لا، لا.. السمك بذكرني النيل.
ـ نغسل راسك؟!
ـ آآه.. لا، لا.. ما تذكروني الرشاش.
ـ نغني ليك أغنية؟!
ـ آآه.. لا، لا.. الأغنية بتذكرني لا زال الليل طفلاً يحبو.
ـ نجيب ليك مريسة؟!
ـ آآه.. لا، لا.. المريسة بتذكرني ناس حاجة نفيسة.
ـ جيبوا لي قمره ورمله.. آآه أنا من وادي أزوم.
ـ وادي أزوم؟!
ـ ولا عسل من واو.. آآه أنا من مقرن الخرطوم.
ـ مقرن الخرطوم؟!!
ـ ولا زيت سمسم من القضارف.. آآه من رهيد البردي دوم.
ـ رهيد البردي دوم؟!!
ـ ولا فردة من شندي.. آآه أنا من حلاوة ناس الديوم.
ـ حلاوة ناس الديوم؟!!
ـ ولا بنات الدونكي.. آآآه أنا من الفتة أم توم.
ـ الفتة أم توم؟!!
ـ ولا غنوا لي بين جناين الشاطي.. آآه أنا من قصور الروم.
ـ يا خي حيرتنا معاك. عايز شنو؟
ـ عايزكم تعيدوا الوحدة.
فدوى المكان بالهتاف "لا بديل عن الوحدة إلا الوحدة" وأعلنا قيام تنظيم "وحدويون بلا حدود"
لمن يرغب في التسجيل، جاليتنا تعمل بدوام كامل من إعلان الانفصال، إلى إعلان الوحدة.
الشروط: أسمر، جميل، والعيون سود.

القوني
31-01-2011, 04:35 PM
(905)
ذهبتُ لعزاء جارتنا خديجة بعد أن بلغها النبأ من جبهة القتال، فوجدتها تبكي بحرقة توجع القلب.
قالت من بين الدموع: المرأة السودانية في الشمال، أو الجنوب، أو الشرق أو الغرب، هي أكبر الخاسرين من هذه الحروب. فكل قتيل هو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو أبوها، أو خطيبها، أو حبيبها.
قلت: بل كل هذه الحروب من تحت رؤوسكن، وهذه الدموع ما هي إلا دموع التماسيح يا تمساحات. فلو قالت كل أم سودانية لابنها ما قالته لي أمي، لما ذهبوا، ولما كانت هذه الحروب.
سألتني وقد توقفت عن البكاء: ما قالت لك أمك؟
قلت: قالت لي لو شاركت في حربٍ طرفيها سودانيين، فلا أنت ابني ولا أعرفك، ولا راضية عنك.
قالت: ومن ليس له أم؟
قلت: المقطوعون من شجرة قليلون. لا يتعدى عددهم عدد الكلاب التي أشاهدها وأنا في طريقي إلى المسجد لصلاة الفجر.
نادت أبناءها وبدأت تحدثهم. فشاع الخبر في الحارة، ففعلت كل نساء حارتنا كما فعلت.
ومن ذاك اليوم وحتى اليوم، لم نُقِم مأتماً لـ "فطيس"

القوني
31-01-2011, 04:37 PM
(904)
ـ لو سمحت. تأشيرة.
ـ إلى أين؟!
ـ إلى الخارج.
ـ سبب الزيارة؟!
ـ تسول.
ـ املأ هذا الالتزام.. 20% ضريبة.

القوني
31-01-2011, 04:42 PM
(903)
اليوم الأول:
مظاهرات أمام القصر. المطلب خبز.
اليوم الثاني:
المظاهرات تعم العاصمة. المطلب إصلاحات.
اليوم الثالث:
المظاهرات تعم عواصم الولايات. المطلب حل الحزب الحاكم، وتنحي الحكومة.
اليوم الرابع:
المظاهرات تعم عواصم المحافظات: المطلب حل كل الأحزاب، وحرمان زعمائها من ممارسة الحق السياسي.
اليوم الخامس:
المظاهرات تعم عواصم المعتمديات. المطلب قيام أحزاب غير عنصرية، وشنق كل السياسيين السابقين.
اليوم السادس:
المظاهرات تعم البوادي والأرياف. المطلب تنفيذ مطالب الثورة.
اليوم السابع:
سودان جديد.
ـ مين يقرا؟
ـ أنا، أنا، أنا يا أستاث..
ـ طيب، طيب.. اقرا يا محمد أحمد.
ـ اليوم الأول: مزاهرات..
ـ مظاهرات، مظاهرات يا حمار.
اليوم السالس..
ـ الثالث. بالثاء يا ولد. بالثاء.
اليوم الحامس..
الخامس، الخامس. ما تجيب لينا ضغط.
اليوم السادس: تنفيث...
ـ تنفيث في عينك. تنفيذ. تنفيذ مطالب الثورة.
شوهت تاريخ ثورة أمة. ثورة تخمك.
يلا طلعوا الكراسات واكتبوا الدرس. خطوة، خطوة.
ـ نبدا من السابع؟
ـ لا، لا.. ما ينفع. يوم بيوم.

القوني
31-01-2011, 04:44 PM
(901)
المرافعين أكلت حمار عبد المحمود، خديجة مرة خميس جابت ولد، الجراد أكل الهشاب، منصور وقع من الشجرة ورجله انكسرت، سخلة نفيسة شالوها ناس الزكاة.
هذه هي الأخبار المتداولة في القرية. لأسبوع وأنا منقطع من أخبار العالم تماماً. سقط المذياع من الحمار وأنا في طريقي إلى القرية فتعطل، ولا توجد وسيلة اتصال أخرى. حتى جاء صديقي عبد الله من المدينة بعد أن فصلوه من الخدمة للصالح العام ـ هكذا قالوا ـ فزارني في البيت وجلسنا للسمر. وكانت جدتي تدخل وتخرج، تخرج وتدخل، وفي كل مرة تناولنا شيئاً وتسألنا إن كنا نريد شيئاً.
قال لي: دا كله بسبب غلاء المعيشة والبطالة.
ـ ناولتنا فولاً وسألتنا: دايرين حاجة؟
قلنا: لا.
علقت وهي تبتعد: الله يكفينا مصايب الدنيا يا عيالي. والله العيشة بطالة.
ـ المظاهرات عمت كل البلاد.
ناولتنا الشاي وسألتنا: دايرين حاجة؟
قلنا: لا.
علقت وهي تبتعد: أنحنا الصابون ما لقيناه. وإنتو دايرين ظهر.
ـ قدم تنازلات ووعود. ولكن ما في فايدة.
ناولتنا نبقاً وسألتنا: دايرين حاجة؟
قلنا: لا.
علقت وهي تبتعد: والله اليومين دي ما في فايدة. الناس كلهم بقوا كضابين وسراقين.
ـ يعمل شنو يا خي؟ حاصروا القصر فهرب. جرى عديل كده.
ناولتنا منجا وسألتنا: دايرين حاجة؟
قلنا: لا.
علقت وهي تبتعد: السنه دي سنة الجري. والله الناس يجروا جري، جري عدوك.
سألناها: يجروا كيف يا حبوبه؟!!
قالت وهي تبتعد: الجري كمان بسألوا منه؟! يجروا عديل كدا.
وسألتنا: دايرين حاجة؟
قلنا: لا.

القوني
31-01-2011, 09:02 PM
(902)
سألني أحدهم: من أين أنت؟!
وكان الفصل خريفاً. وفي الخريف نحن نأكل أوراق الشجر.
قلت: أنا من جمهورية من يأكلون أوراق الشجر خريفاً.
وسألني آخر: من أين أنت؟!
وكان الفصل شتاءً. وفي الشتاء نحن نموت من البرد في المعسكر.
قلت: أنا من جمهورية من يموتون من البرد في المعسكر شتاءً.
وسألني ثالث: من أين أنت؟!
وكان الفصل ربيعاً. وفي الربيع يمنعون الفراشات من الزهور.
قلت: أنا من جمهورية من يمنعون الفراشات من الزهور ربيعاً.
وسألني آخر: من أين أنت؟!
وكان الفصل صيفاً. وفي الصيف نحن نموت من العطش.
قلت: أنا من جمهورية من يموتون من العطش صيفاً.
قالوا: من أين أنت؟!!
قلت: من؟!!.. أنا؟!!.. أنا من السودان.

القوني
01-02-2011, 02:52 PM
(898)
ـ انظر إلى هؤلاء القوم بأبقارهم المتوحشة طويلة القرون، وأجسادهم النحيلة كالغزلان، وأسراب الحسان.
ـ ماذا تعرف عنهم؟!
ـ لا شيء غير أنهم أفارقة، وأنهم لا ينتمون إلى دولةٍ بعينها، ولا تحدهم حدود. يجوبون مراعي أفريقيا وغاباتها جبلاً وسهلاً من أقصاها إلى أقصاها. لا يمنعهم أحد، ولا أحد يسألهم عن أوراق الثبوت.
ـ إذاً لمن ينتمون؟!
ـ لا ينتمون إلى الدول، ولا المدن، والقُرى، ولا يعرفون ولا يعترفون بغير فنان أفريقيا وردي. كل صلتهم بالمدنية جهاز تسجيل وأشرطة هذا الفنان الأسطورة.
ـ وهل يعرفونه ويعرفهم؟!
ـ لا، لا.. لا يعرفونه ولا يعرفهم. مع أنهم يحسبونه ملكهم ويستخدمون اسمه وفنه في أسحارهم. فهم سحرةٌ مهرةٌ يجيدون السحر.
ـ يجيدون السحر؟!
ـ نعم . من سحرهم أنهم يعبرون من أمامك دون أن تراهم.
وأنهم يجعلون الأسد يسير وسط أبقارهم دون أن يعتدي عليها.
وعندما يُسمِعون أبقار الحليب أغنية "ما تخجلي" فهي تجود عليهم بالحليب ولا تتوقف قبل أن يكتفوا.
وعندما يُسمِعُ أحدهم حبيبته أغنية "بيني وبينك والأيام" فهي ترق، ترق، ترق، حتى تصبح كالنسيم، أو أرق.
وهم ملوك القوس. فلهم سهامٌ لا تخطيء مرماها أبداً. يطلسمونها باسمه ويرمون بها الصيد فلا تصيبه إلا في مقتل.
تقول الأسطورة أن الأمطار هطلت غزيرة تلك الليلة. الرعود ترعد، والبرق يخطف الأبصار، والوحوش تهاجمهم من كل صوب. فانسل وردي من بين عتمة الغمام وهو يغني وفي يده ربابة "بالله يا الطير المهاجر للوطن زمن الخريف" فعاد الجو صحواً، وأشرقت الشمس، وتفتحت الأزهار، ولا نت الوحوش.
ومن ذاك اليوم وحتى اليوم، ما أن يهاجمهم وحش، أو تجدب المراعي، حتى يغنوا "باسمك الشعب انتصر، حاجز السجن انكسر، والقيود انسدلت جدلة عُرس في الأيادي" فيلين الوحشُ ويعودُ كالحملِ الوديع، وتخضّر المراعي، وتزهرُ أماني الوحدة من جديد.
ـ والله خسارة. يا خسارة أملي وأملك واخسارة. .
لو كنتُ مكانه لذهبتُ إليهم، واشتريتُ قطيعاً من الأبقار، وتجولتُ معهم حراً طليقاً كالفراشات بلا حدودٍ عبر مراعي أفريقيا وغاباتها جبلاً وسهلاً، ولن أغني إلا لهم.
ـ لو ذهبَ لتوجوه ملكاً مقدساً على كل "امبررو" أفريقيا.
ـ آآآه لو بإيدي..
لو بإيدي كنت طوعت الليالي.
لو بإيدي..
لو بإيدي كنت زللت المحال.
والأماني الدايرة في دنياي ماكانت محال.
دي الإرادة ونحن ما بنقدر نجابه المستحيل.
دي الإرادة والمقدر ما بنجيب ليه بديل.
دي الإرادة أجبرتني في هواكم من قبيل.
* * *
غصباً عني وغصباً عنك،
انت حبيتني وهويتك.
لو بإيدنا من زمان،
كنت خليتني ونسيتك.
والنهاية؟
إنت عارف وانا عارف،
لو بإيدي كان هديتك.
* * *
أصلو حبي أقوى وأكبر من إرادتي،
وانا حاسس في جحيم نارك سعادتي،
واللهيب البكوي في روحي،
في ذاتي،
هو إنت.
قلبي دايرك،
حبي عارفك.
في شبابك في صباك،
في جمالك في وفاك،
يا المسير وماك مخير،
انت يا الصابر وعند الله جزاك.
ـ يا عزيزي كل شيء قسمة ونصيب. والمكتوب في الجبين لابد تشوفه العين. انظر لحالنا وحال البلاد اليوم.
ـ والله خسارة. يا خسارة أملي وأملك واخسارة. .

القوني
01-02-2011, 04:55 PM
(7)
ـ يا جدي، كيف حصلتم على هذه الجزيرة الجميلة، ولمَ سميتموها السودان؟!
ـ لا أدري. ولكن ما تتناقله الأجيال المتعاقبة أن أجدادنا الأوائل كانوا يعيشون في قارة أفريقيا الحالية، وكان لهم بلد يسمى السودان. وابتلاهم الله بحكام سوء أذاقوهم سوء العذاب. منعوهم حتى الطعام والشراب. فلجأوا إلى بلدٍ مجاور. ولم تمض إلا سنوات حتى نشبت الحروب بين بلدهم وذاك البلد فلجأوا إلى دولة مجاورة. ولم تمضِ إلا سنواتٍ فنشبت الحروب بين بلدهم وذاك البلد، فلجأوا إلى دولةٍ أخرى. وهكذا إلى أن بلغوا حافة اليابسة. فصنعوا سفناً من الطرور وأبحروا بلا هدى ولبثوا في البحر عدة سنين. ثم جنحت سفنهم بين الصخور في مكان ضحل، وعاشوا هناك بين الماء سنين عددا.
وكانت الأرض ترتفع من تحتهم قليلاً قليلاً دون أن يحسوا حتى برزت الصخور ثم توسعت اليابسة حتى أصبحت جزيرة كبيرة. ثم استجلبوا الأنعام والبذور وتعلموا الزراعة والرعي، وأسموها باسم بلدهم القديم. السودان.

القوني
02-02-2011, 06:18 PM
(895)
التقرير: غير لائق طبياً. ليس لديه من الحياء ما يؤهله. لا يوجد ولا القليل. ما في خااالص!! ولا حبة. دا ماشي كيف دا؟!!
التوقيع: د. محمد أحمد.
الدكتور: ادخل قابل اللجنة.
رئيس اللجنة: إنت عارف النظام. معارضة، تمرد.. قطع لسان. ورينا عرض أكتافك.
يخرج وهو يدندن: "ليه كدا، الظلم دا"
الدكتور: بعده.
ـ لا يوجد أحد يا دكتور. دا آخر السياسيين.
الدكتور: غريبة!! كل السياسيين غير لائقين طبياً! والله دي كارثة. يلا ادخل الشعب.
ـ هذا الأول يا دكتور.
بعد الفحص.
التقرير: لائق طبياً. لديه من الحياء ما يكفي دولة. تبارك الله، ما شاء الله. دا كله حياء. دا الحياء زااااته ماشي بكرعينه.
التوقيع: د. محمد أحمد.
الدكتور: ادخل قابل اللجنة.
رئيس اللجنة: أهلاً بالسيد رئيسنا الجديد.
ـ لا، لا.. ما عايز رئيس.
ـ أهلاً بوزيرنا الجديد.
ـ لا، لا.. ماعايز وزير.
أهلاً بنايبنا الجديد.
ـ لا، لا.. ما عايز نايب.
ـ أهلاً بمحافظنا الجديد.
ـ لا، لا.. ما عايز محافظ.
ـ سيادتك ما عندنا غير كده. دا كل العندنا.
ـ أمرنا لله. خلاص محافظ. بس دورة واحدة. والله ما أزيدكم يوم.
يلتفت رئيس اللجنة: يلا يا نسوان. زغردن ودقن الدلوكة، وسيروا السيد المحافظ.. وإنتو يا أولاد، أضبحوا الكرامة، ووزعوا الشربوت على الشعب. لقينا لينا محافظ.
الأولاد يذبحون الكرامة ويوزعون "الشربوت" على الشعب، والنساء يزغردن ويضربن "الدلوكة"، وتبدأ السيرة للبحر "محافظنا نزل البحر، يا عديلة، قطع جرايد النخل، يا عديلة"
التوقيع:
د. دينق شول. مدير جهاز كشف الحياء.
محمد أحمد. رئيس اللجنة الوطنية لشغل المناصب الدستورية.
* * *
عاجل: إلى أطبائنا. اختراع جهاز لكشف الحياء. فساستنا لا يستحون. لا يستحون خااالض.. لو أنهم يستحون ما كان هذا حالنا.

القوني
03-02-2011, 10:03 AM
(885)
ـ كلنا معنا علينا.
ـ حتى أنت؟!!
ـ حتى أنت.

القوني
03-02-2011, 10:08 AM
(884)
في عام 2100م كنا كلنا في النار. المواطنون في نار جهنم، والساسة كلهم من حكومة ومعارضة ومتمردين في الحطمة.
في هذا العام بدأت تزورنا نسائمُ الجنةِ وخُفّف عنا العذاب، وبدأت أعدادنا تتناقص.
بحلول عام 2100م كنا كلنا في الجنة. سألنا سيدنا رضوان فأخبرنا أن أجيالَ الوحدةِ وبعد أن هدأت نفوسهم سامحونا وبدأوا يدعون لنا بالجنة. وعندما سألناه عن ساستنا أخبرنا أن ساستنا تبقت لهم ألف عام، والعام مقداره خمسون ألف سنة.
فشكرنا أجيال الوحدة ودعونا لهم: اللهم اجعل سودانهم جنة.
وسامحنا ساستنا ودعونا لهم: اللهم خفف عنهم العذاب.
وهتفنا: عاشت أجيال الوحدة، وتحيا جنة السودان.
* * *
مذكرات سوداني وحدوي في الجنة.

القوني
03-02-2011, 10:27 AM
(883)
ـ ولكن كيف عرفتم أن الأوضاع تغيرت في الوطن وعدتم؟!
ـ الموضوع يطول. جوار معسكر اللاجئين حيث نقيم بيتٌ مسكونٌ منحنا صاحبه المفتاح وقال لنا اسكنوه. حاولنا الإقامة ولم نفلح. كلما نمنا وجدنا أنفسنا في قارعة الطريق في الصباح. فأعدنا إليه المفتاح وعدنا إلى المعسكر.
بعد أيام كانت هناك خيمة جديدة خالية من السكان لا يسكنها أحد. ولكننا كنا نسمعهم بالليل وهم يدعون علينا "الله يلعن السودانيين"
ثم زارنا صاحب البيت بعد أيامٍ ليخبرنا أن بعضَ مواطنينا أقاموا في البيت وطاب لهم المقام.
ذهبنا نتحرى الأمر فوجدناهم الإسلاميين. هم أنفسهم الذين استضعفونا وأخرجونا من البلاد وقسموا الوطن. فعرفنا أن الأوضاع تغيرت، وعدنا إلى أرض الوطن.
ـ حمدأً لله على السلامة. نورتم الوطن.
ـ الله يقبل حمدك.

القوني
04-02-2011, 10:35 PM
(892)
ـ وأنت في طريقك من نيالا إلى زالنجي مروراً بالضفة الغربية لجبل مرة، لا تدع الفرصة تفوتك لزيارة هذه القرية.
ـ ما اسمها؟!
ـ اسمها قرية "كربو الجداد"
ـ ما قصتها بالضبط؟!
ـ يقال أن أهالي هذه المنطقة ما كانوا يعرفون تربية الدجاج قبل أن تذهب امرأة اسمها حاجة كلتوم إلى سوق نرتتي، وتشتري ديكاً ودجاجتين. فتكاثر الدجاج وأصبحت له سلالة امتدت لأكثر من خمسين عاماً.
يوم غزتهم الطائرات والخيول بعضهم مات. ومن عاش منهم عبروا الحدود والتحقوا بمعسكرات اللاجئين وعاشوا هناك عدة سنين.
أما الدجاج فلم يكن أمامه إلا أن يتأقلم ويتكيف مع الواقع الجديد. فنمت له أجنحة قوية يستطيع أن يطير بها إلى مسافات بعيدة مكنته من مسابقة الطائرات والخيول، وبنى مساكن كمساكن النمل، واختار ملكة، وتفرغ بعضهم لجلب الطعام، وآخرون للحراسة. وعاشوا على أحسن حال.
وعندما عاد أهالي القرية إليها بعد توقف الحروب وعودة وحدة البلاد، هاجمهم الدجاج ومنعهم دخول القرية فبنوا لهم قرية جوار قرية الدجاج.
ثم ذاع صيت هذه القرية وأصبحت معلماً سياحياً اعتمدته الأمم المتحدة كمعلم أثري سياحي عالمي، وأصبح الناس يقصدونه من كل حدب وصوب. يدخله كل الناس، ما عدا أفراد القبائل التي شاركت في الحروب.
ـ ما اسمها؟!!
ـ " كربو الجداد"
ـ أين موقعها بالضبط.؟
ـ بين مرتجلو وقلول.

القوني
04-02-2011, 10:39 PM
(890)
ـ يا جدي، كيف حصلتم على هذه الجزيرة الجميلة، ولمَ سميتموها السودان؟!
ـ لا أدري. ولكن ما تتناقله الأجيال المتعاقبة أن أجدادنا الأوائل كانوا يعيشون في قارة أفريقيا الحالية، وكان لهم بلد يسمى السودان. وابتلاهم الله بحكام سوء أذاقوهم سوء العذاب. منعوهم حتى الطعام والشراب. فلجأوا إلى بلدٍ مجاور. ولم تمض إلا سنوات حتى نشبت الحروب بين بلدهم وذاك البلد فلجأوا إلى دولة مجاورة. ولم تمضِ إلا سنوات فنشبت الحروب بين بلدهم وذاك البلد، فلجأوا إلى دولة أخرى. وهكذا إلى أن بلغوا حافة اليابسة. فصنعوا سفناً من الطرور وأبحروا بلا هدى ولبثوا في البحر عدة سنين. ثم جنحت سفنهم بين الصخور في مكان ضحل، وعاشوا هناك بين الماء سنين عددا.
وكانت الأرض ترتفع من تحتهم قليلاً قليلاً دون أن يحسوا حتى برزت الصخور ثم توسعت اليابسة حتى أصبحت جزيرة كبيرة. ثم استجلبوا الأنعام والبذور وتعلموا الزراعة والرعي، وأسموها باسم بلدهم القديم. السودان.

القوني
04-02-2011, 10:41 PM
(889)
الأخ وزير المالية، حدثنا عن موارد ومصارف الميزانية العامة.
ـ في الحقيقة الموارد كثيرة. كالغرامات والمصادرات، بجانب الضرائب والزكاة.
ـ والمصارف؟!
ـ هذه أيضاً كثيرة. كالاختلاسات والامتيازات، بجانب الخدمات والتنمية.

القوني
04-02-2011, 10:43 PM
(888)
أرسل الأب خطابين. الأول لابنه المغترب، والآخر لابنه اللاجيء: رحم الله أمكم. لو لم تقتلها الطائرة، لماتت شوقاً إليكم.

القوني
05-02-2011, 10:02 AM
(887)
انتظر زوجته طويلاً لتعد له الطعام بلا فائدة.
أوقد النار، وركب الحمار في طريقه إلى البئر.
عند سفح الجبل وجدهم يزرعون. أوقف الحمار وزرع معهم، ثم ركب الحمار في طريقه إلى البئر.
عند منحنى الوادي وجدهم يرعون. أوقف الحمار ورعى معهم، ثم ركب الحمار في طريقه إلى البئر.
عند الغابة وجدهم يلاحقون أسداً. أوقف الحمار ولاحق معهم، ثم عاد إلى الحمار فوجد الحمار قد أكله الأسد.
وعندما عاد إلى البيت، لم يمنعه الدخان من الدخول. كان الحريق قد خمد تماماً.

القوني
05-02-2011, 10:57 AM
(886)
غادرت المكتب واتجهت نحو موقف الباصات. صعدت فرأته أمامها من بعيد. نظرت إلى وجهه جيداً. تأملته ملياً وهي تدنو منه. أعجبها. كأنه خُلق لها. بعض الناس يخلقون كما يشاءون. هكذا قالت في نفسها.
ـ السلام عليكم.
ـ وعليكم السلام.
بجواره جلست. الباص شبه خالٍ والكثير من المقاعد تنتظر القادمين. ولكنها جلست جواره.
وحدهما في مقعد يسع أربعة. دنت منه زاحمته.
نظرت إليه ملياً تأملته وهي منه تقترب. أما الآن فلا مبرر للنظر.
قالت في نفسها: سأحدثه عن الجو. لا، لا.. حديثٌ سخيف.. سأسأله عن اسمه. لا، لا.. وما المنسبة؟!! سأروي له قصة. قصة؟ يا سلام!! ابتسمت من الداخل.
لم يعرها اهتماماً، أو هكذا يبدو لمن يراه.
ـ لمَ لا أتعرف عليها؟ مهذبةٌ رقيقة. تبدو ودودة. إنها وردة.
غادرا الباص في نفس المحطة. اتجهت نحو البيت، وأوقف أول العابرين يسأله.
دخلت غرفتها، تناولت القلم ودفتر مذكراتها وكتبت: الفارس المسالم. يبدو عليه غير إسلامي. إنه ملاك. آآه لو يكون من نصيبي.
طرق الباب، فتحت، سقط القلم من يدها وهي تقول تفضل.
عادت إلى الغرفة، مزقت الورقة على عجل، وعادت بالشاي.
وهي تقترب من الديوان سمعت صوت أبيها يسأله: كيف أبوك؟! تدري، إنه يصغرني بعامين. وكنا أصدقاء أكثر منا إخوة.
أخبرها باسمه قبل أن يسلم عليها.
ـ هو أنت خالد؟! دون أن تشعر. احمر وجهها.
ثم سألته عن عمها محمود الذي سمعت عنه ولم تره فهو في المهجر لسنين.
من متى وأنا أكتبُ عن الحب؟!!
كيداً للعوازل، قضى العطلة كلها في بيت عمه، ثم سافر دون أن يتزوجها، أو حتى يحبها.
لا تصدقوا كنت أمزح معكم. أحبها وأحبته، وسألته عن الجو، وعن اسمه، وحكت له قصة، وتزوجها وسافرا إلى بلدٍ ثالث، ولم يعودا إلا بعد عشرين عاماً. وقتها كانت الوحدة قد عادت من جديد.

القوني
05-02-2011, 02:55 PM
(877)
أعمل مستشاراً في مؤسسة عالمية كبرى، وهو مسئول كبير في الأمم المتحدة بنيويورك.
كنت أزوره ويزورني على عجل. وكلما ألتقيه يسلم عليّ ثم ينظر إلى عنقي ويضحك.
جمعتنا رحلة من نيويورك إلى بوسطن. وكنا في الدرجة الأولى ولنا متسع من الوقت. فلمّحت له بالسؤال عن الضحك كلما رآني.
أجابني وهو يقهقه: أتذكر هذه العلامة التي في عنقك أم نسيت؟ ماذا لو هجم علينا ذلك اليوم؟
تحسست الندبة في عنقي فعدت إلى العاشرة. ضحكت بفرحة الأطفال وكأنني اكتشفت كنزاً: منظر مرعب. أتذكر؟ كنا نسير وسط الأعشاب والشجيرات.
فجأةً نلتفت لنجده جوارنا يرفع رأسه عالياً بمحاذاة رؤوسنا وليس بيننا وبينه إلا شبرين. نقف متسمرين لا ندري ما نفعل، ثم يتركنا ويذهب.
ـ والله أنت موهبة ضائعة. لو شاركت في الأولمبياد لأحرزت لنا جائزة. يا راجل أنت صاروخ بشري. لو لا الغصن الذي التف حول رقبتك أظنك لن تتوقف إلا في دولة مجاورة. وهي المرة الأولى التي تسبقني فيها.
ـ لا والله. أنا أسبقك دائما. الآن أتحداك. على أن أجد من يمسك بالنظارة حتى لا تسقط. وبالمناسبة. هل تتذكر اسم حماركم حتى اليوم؟
ـ نعم. اسمه الأبيض. كيف أنساه. كان أسرع حمار في القرية. وما اسم حصانكم؟!
ـ اسمه الهبوب. وقد اشتراه أبي من زريبة الهوامل بجنيهين.
ـ كنا في الرشاش في بداية العطلة. سبحنا في الوادي وجمعنا الكثير من الدوم والدليب، وبعد أن شبعنا أخفينا ما تبقى على أمل أن نعود في اليوم التالي، وذهبنا نتجول في الوادي. لم أعد أذكر هل عدنا اليوم التالي؟
ـ لا، لا.. اليوم التالي رتعنا غرب القرية عند رهد الوزين. ما أجمل الوزين، والرهد، طعم الستيب لا يفارق فمي.
ـ يبدو أنك لم تعد للقرية منذ وقت طويل. أنا عدت قبل عشر سنوات. وجدت كل شيء تغير. لم يبق من القرية إلا شجرة التبلدي في بيتكم.
تقترب المضيفة: سيادتكم تأمرون بشيء. لكم توصية خاصة من إدارة الشركة.
ـ تبلدي.
ـ ماذا؟!!
ـ لا شيء.
مرت الأيام والسنين. وعدنا إلى القرية. بنيت منزلاً من طابقين مكان "القطية" في بيتنا، وأقام منزلاً من طابقين مكان التبلدية في بيتهم.
اشتريت حماراً وأسميته أبيض، وأشترى حصاناً وأسماه الهبوب، وانتظرنا الرشاش.
في أول الرشاش خرجنا نرتع. سبحنا في الوادي وجمعنا الكثير من الدوم والدليب، وبعد أن شبعنا أخفينا ما تبقى وذهبنا نتجول في الوادي.
ـ ما أجمل تلك الأيام. أتذكر يوم سافرنا معاً من نيويورك إلى بوسطن؟!
ـ طبعاً أذكر. كنت أسكن في الطابق الخمسين في عمارة فخمة تطل على المحيط.
ـ رأيت كيف اندهشت المضيفة ونحن نسألها عن التبلدي؟
ـ طبعاً ما أدراها بالتبلدي.
ـ من المؤكد أن نيويورك تغيرت كثيراً هذه الأيام.
ـ يا لها من أيام!! أيام لا تنسى.
فجأةً نلتفت لنجده بجوارنا. يرفع رأسه عالياً بمحاذاة رؤوسنا وليس بيننا وبينه إلا شبرين. نقف متسمرين لا ندري ما نفعل.
ثم يتركنا ويذهب.

القوني
05-02-2011, 06:45 PM
(876)
بعض الناس يسألون أسئلة بلا معنى فتضطر أن تجيبهم إجابة بمعنى.
سألني أحدهم: لمَ أنتم طوال القامة هكذا يا زول؟!
قلت: الأبقار تبدأ الوقوف من الخلف لترى الأعداء بين الأشجار، والخيول تبدأه من الأمام لتراهم عبر الصحراء، ونحن طوال القامة لنرى حكومتنا فلا تخنقنا من رقابنا فنموت.
ثم سألت: هل هناك أية أسئلة أخرى بلا معنى؟! أنا تحت أمركم.
الإجابة له، والسؤال لكم.

القوني
05-02-2011, 06:48 PM
(874)
ـ بالله كيف طاوعتكم أنفسكم وغبتم عنه طيلة هذه الأعوام؟!
ـ لا، لا.. نحن لا نتركه وراءنا أبداً. أينما ذهبنا هو معنا.
قبل أسبوع كنا في جبال الألب. سألونا: أين أنتم؟
قلنا: نحن في جبل مرة.
وقبله بأسبوع كنا نعبر المحيط إلى أمريكا الجنوبية. سألونا: ما هذا؟
قلنا: هذا النيل.
وقبله بأسبوع كنا نتجول في غابات الأمازون. سألونا: أين أنتم؟
قلنا: نحن في الجنوب.
وقبله بأسبوع كنا نتسلق أشجار النخيل في العراق. سألونا: أين أنتم:
قلنا نحن في كريمة.
وقبله بأسبوع كنا نعمل في مزارع الذرة في أمريكا. سألونا: أين أنتم؟
قلنا: نحن في القضارف.
وقبله بأسبوع قبضوا علينا ونحن نتسلل إلى أمريكا. في الحبس سألونا. أين أنتم؟
قلنا: نحن في كوبر.
وقبله بأسبوع كنا نرقص "الريقي" في جامايكا. سألونا: ما هذا؟
قلنا: هذه فرنقبية.
وقبله بأسبوع كان يلاحقنا الكنجارو في براري أستراليا. سألونا: ما هذا؟
قلنا: هذا أرنب القوز له أرجل طويلة.
وقبله بأسبوع اختطفنا القراصنة في البحر العربي. سألونا: من اختطفكم؟
قلنا: الإسلاميون.
وقبله بأسبوع سرق لصٌ زادنا ونحن نبحر صوب القطب الجنوبي. سألونا: من سرقكم؟
قلنا: الحكومة.
وقبله بأسبوع هبت عاصفة ونحن في طريقنا إلى القطب الشمالي. غرقت سفينتنا فمتنا ودخلنا الجنة. سألونا: أين أنتم؟
قلنا: نحن في السودان.
نحن لا نتركه وراءنا أبداً. أينما ذهبنا هو معنا.

القوني
06-02-2011, 04:43 PM
(873)
ـ أنا في غاية الندم. ولكن بم يفيد الندم؟
ـ ماذا حدث؟!
ـ تلك العجوز التي قابلتها وأنا في طريقي إلى المدرسة سيراً على الأقدام، وهي تبذر البذور، وترعى بجوارها الأغنام، فشربت عندها الماء، وجادت على بشيء من الطعام، وحدثتني عن الإنجليز، ليتني سألتها إن سمعت بالاستقلال أم لا. ولكنني لم أسألها. لذا فأنا في غاية الندم.
ـ لا عليك. سلها في المرة القادمة.
ـ يا ليت. ولكن لا توجد مرة قادمة.

القوني
06-02-2011, 04:45 PM
(872)
ـ كونه مثلاً يعني تلقى الواحد في الخرطوم عنده طيارة، والتاني ماشي حفيان.
ـ ما شي حفيان؟!
ـ قلت كونه مثلاً يا خي. كونه مثلاً. وكونه مثلاً تلقى الواحد بتغدى بخروف، وجاره ما لاقي فتة الفول.
ـ ما لاقي فتة الفول؟!
ـ كونه مثلاً يا خي كونه مثلاً. وكونه مثلاً تلقى الواحد ساكن في عمارة من تلاته طوابق، والتاني ساكن في راكوبة كرتون.
ـ ساكن في راكوبة كرتون؟!
ـ كونه مثلاً يا خي. يعني كونه مثلاً. وتلقى الواحد وزير وما بيعرف يكتب اسمه، والتاني خريج جامعة وببيع أكياس.
ـ ببيع أكياس؟!
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. كونه مثلاً يا ابن آدم. كونه مثلاً. إنت ما بتفهم؟!!

القوني
06-02-2011, 04:47 PM
(871)
أنا لا أطيقهم أبداً، وتجدني في خلافٍ دائمٍ معهم. لذا جئتُ إلى هنا منفياً وأنا مكره أتعجل العطلة وانتهاء العام الدراسي لأعود إلى المدينة.
من آخر نقطة تصلها السيارات، وبعد أن أكلنا المناصيص، والكسرة بالروب، وشربنا المريسة، سافرت لأربع ساعات سيراً على الأقدام إلى المدرسة مع أهالي القرية المعفرين المغبرين الذين تعرفت عليهم في السوق.
لنصف عام وأنا هنا. لم أعد أذكر المدينة. نسيتها تماماً. لم أعد أذكر منها إلا أن أهلها يقضون نهارهم وليلهم يجلسون أمام صندوق مليء بالأسلاك يستمعون إليه وهو يكذب وهم يصدقون. ماذا لديهم؟! لا شغلة، ولا مشغلة ـ أرأيت كيف انطلق لساني ـ بل نسيت حتى السيارات. فلم أعد أذكر منها إلا أنها صناديق من الحديد لها أربعة "أساتك" يركبها الصعاليك ويختطفون بها البنات الصعلوكات ـ أرأيت! حتى لغتي أصبحت ريفية ـ والمحافظ كألفا الفصل. إن قلنا لا نريد الحكومة قال لنا اسكتوا. والوزير كقطة جارتنا الحاجة فاطمة، كلما نسينا المطبخ مفتوحاً أكلت علينا اللحم ـ أرأيت! لم أعد أخافهم ـ
لا أدري كيف تذكرتهم اليوم!!
قلتُ في نفسي "سهر الجداد ولا نومه" فكتبتُ لهم خطاباً قلتُ فيه: هنا كل شيء متوفر وبكثرة. للنار الحطب لا ينضب، والهواء هنا أندى وأنقى، والشروق جميل كما الغروب، ولنا فنانونا الشباب والمخضرمون، ولنا مارلين مونور خاصتنا، وبوب مارلينا، ومردوننا، وكل شيء.
لا ينقصنا إلا عدم رؤيالم ومشاهدتكم المَرضِية.
ورسمت خطاً تحت كلمة عدم، وشكلت المَرضِية، وأرسلته إليهم.
فأنا لا أطيقهم أبداً، وتجدني في خلافٍ دائمٍ معهم.

القوني
06-02-2011, 06:54 PM
(869)
ـ من متى وأنت في السجن؟!
ـ أنا في السجن منذ الأمس.
ـ من سجتك؟
ـ لا أعرف اسمه. غسلت سيارته فأعطاني قليلاً من المال. قلت له هذا لا يكفي حتى لفتة الفول. سألني ما الفول؟!. فسألته ألم تأكله؟! قال لا. قلت له هو طعام لا تأكله الكلاب. فحبسني.
ـ أخرج وأحفظ عليك لسانك. لا تتعجل.
ـ أأنت معنا في تنظيم "وحدويون بلا حدود؟!"
ـ أنا نائب المدير. ولكن أحفظ السر.
ـ سر في بير.

القوني
06-02-2011, 06:58 PM
(868)
الأب لطفله الصغير: لا تحضر إلى هذا المكان إلا وفي يدك حجرٌ وغصنُ نيم. إن تملكك الخوف وأحسست أن شيئا يختبيء بقربك وسينقض عليك، ارم الحجر وارفع غصن النيم.
يتلفت الطفل حوله وهو يرتجف من الخوف.
الأب يرمي الحجر ويرفع غصن النيم. يبدو شيءٌ ما ليس له ملامح. يطير ويبتعد قليلاً، قليلاً. يراقبانه. يصغر، يصغر، حتى يتلاشى ويختفي.
الطفل: ما قصته يا أبي؟!
الأب: حدث هذا منذ أمد بعيد. في مرة أرسلنا أبي لإحضار بعض القصب والحطب لبناء منزلٍ جديد. كنا أنا وعمك عثمان، وعمك أدروب، وعمك ملوال. وكنا نسير في الوادي وأمامنا جرفٌ مرتفعٌ والوقت منتصف النهار تماماً. وكان حديثنا يدور حول وجود مخلوق عجيب يعيش في هذا المكان ولا يظهر إلا في مثل هذا الوقت. عندما يحس الناس بالأمان. وكنا نرتجف من الخوف ونتلفت حولنا وندنو من بعضنا كتفاً بكتفٍ لنبعد الخوف. وفجأة علا الصراخ من فوقنا. فانطلقنا لا نلوي على شيء. وقتها كنا دون العاشرة وكنت أصغرهم. فلم أتمكن من صعود الجرف إلا بمشقةٍ وبعد أن قطع هذا الشيء إصبعي الصغير. ركض كل منا في اتجاه ولم نتقابل إلا في البيت.
أخبرنا أبانا بما حدث فجاء معنا في اليوم التالي. فإذا بإصبعي الصغير عالق بجذور شجرة "أم مشطور" تتدلى على الرمال وهو ملطخٌ بالدماء. فأوصانا أبي قائلاً: لا تحضروا إلى هذا المكان إلا وفي أيديكم حجارة وأغصانُ نيم. إن تملككم الخوف وأحسستم أن شيئا يختبيء بقربكم وسينقض عليكم، ارموا الحجارة وارفعوا أغصان النيم.
ومن ذاك اليوم وحتى اليوم، لا نحضر إلى هنا إلا وفي أيدينا حجارة وأغصانُ نيم. إن تملكنا الخوف وأحسسنا أن شيئا يختبيء بقربنا وسينقض علينا، رمينا الحجارة ورفعنا أغصان النيم. فيبدو شيءٌ ما ليس له ملامح. يطير ويبتعد قليلاً، قليلاً. نراقيه. يصغر، يصغر، حتى يتلاشى ويختفي.

القوني
07-02-2011, 11:55 AM
(867)
ـ كيف تعرف الحكومة؟
ـ من كلام المعارضة والمتمردين.
ـ وكيف تعرف المعارضة؟!
ـ من كلام الحكومة والمتمردين.
ـ وكيف تعرف المتمردين؟!
ـ من كلام الحكومة والمعارضة.
ـ وهل هي أقوال صحيحة؟!
ـ كلهم يكذبون. لا يصدقون أبداً إلا في هذه.
ـ لمَ تحكمون عليهم بأقوالهم؟!! لمَ لا تحكمون عليهم بأعمالهم؟!
ـ بأعمالهم؟! أعمال من ؟!! الله يسامحك. أنت أصلك راجل طيب.

القوني
07-02-2011, 11:57 AM
(865)
في قريتنا هذه والتي تقع على الحدود بين الجنوب والشمال، يعيش خليط من السودانيين من الجنوب والشمال.
حار بنا الدليل بعد التقسيم. لم ندر ما نفعل. فلا نحن جنوبيون ولا نحن من الشمال. فعقدنا اجتماعاً للتشاور.
قال بعضنا: على الجنوبيين أن يرحلوا نحو الجنوب، وعلى الشماليين أن يرحلوا نحو الشمال.
قال عمنا عبد الله: لا، لا.. لن نترك أرضنا وبلدنا من أجل الجنوب ولا الشمال. علينا أن نقيم التحصينات المنيعة، ونعد السلاح ، ونتدرب كلنا رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً على القتال. إن جاء الجنوب قاتلنا جميعاً، وجميعاً نقاتل إن جاء الشمال.
قال عمنا ملوال:لا، لا.. ليس هذا برأي يا أخي.. كم جهدنا يا جماعة؟! الرأي عندي أن يتجاور كل شمالي وجنوبي. إن جاء الجنوب خبأ الشماليون الجنوبيين في بيوتهم، وإن جاء الشمال خبأ الجنوبيون الشماليين في بيوتهم.
فاقتنعنا بهذا الرأي المصيب وعملنا به. تجاور الشماليون والجنوبيون. إن جاء الشمال خبأ الشماليون الجنوبيين في بيوتهم وقالوا نحن الشمال، وإن جاء الجنوب خبأ الجنوبيون الشماليين في بيوتهم وقالوا نحن الجنوب.
ومن ذاك اليوم وحتى اليوم ونحن نعيش في أرضنا بسلام بعيداً عن فتنة الجنوب والشمال في انتظار الوحدة. ولكن لمَ تأخرت الوحدة هكذا؟!! على الله.. "في كل تأخيرة خيرة"

القوني
07-02-2011, 05:03 PM
(864)
ـ سيدي الرئيس، يُقال أن الساسة هم من فتت الوطن. ما قولكم في ذلك؟
ـ لا، لا.. هذا غير صحيح. الساسة لم يفتتوا الوطن.
ـ طبعاً أنا أعلم ذلك. فقط كنت أسأل. فأنا أعلم أن المزارعين هم من فتت الوطن.
ـ لا، لا.. المزارعون لم يفتتوا الوطن.
ـ أنا أعلم ذلك. إذاً فهم الرعاة.
ـ لا، لا.. الرعاة لم يفتتوا الوطن.
ـ معلوم طبعاً. فالطلاب هم من فتت الوطن.
ـ لا، لا.. الطلاب لم يفتتوا الوطن.
ـ طبعاً هذا شيء بديهي. إذا فهي القوات النظامية.
ـ لا، لا.. القوات النظامية لا علاقة لها بتفتيت الوطن.
ـ إذاً فهم العمال، لا غيرهم.
ـ لا، لا.. الطلاب لم يفتتوا الوطن.
ـ إذاً من فتت الوطن سيدي الرئيس؟
ـ في الحقيقة.. والله ياخي.. ما هو يعني ال.. وبعدين.. يا خي ما عارف.

القوني
07-02-2011, 05:04 PM
(863)
هذه المدينة كلها سودانيون. تحس وكأنك في السودان. الفنادق الراقية نزلاؤها سودانيون، والملاجيء ليس فيها غيرهم.

القوني
08-02-2011, 12:03 PM
(862)
تسلمتُ هذه الرسالة عبر بريدي الإلكتروني..
لا أدري كيف عرف الراسل عنواني، ولا أدري من أخبره أنني أعيش بعيداً عن الوطن. الرسالة تقول:
بعد إعلان الانفصال، عقدنا اجتماعاً موسعاً لكل أبناء جاليتنا. الشمال، الجنوب، الشرق، الغرب. وبعد التفاكر قررنا التالي:
1/ عدم الاعتراف بالانفصال وأن تبقى الدار واحدة.
2/ إلغاء كلمة شمال، جنوب،غرب، شرق، انفصال، رئيس، من قاموسنا.
3/ العمل الدؤوب لنشر ثقافة الوحدة.
4/ احتج الإسلاميون على هذه القرارات فاستتبناهم ثلاثة أيام. لم يتوبوا ففصلناهم.
عرضت الرسالة على أعضاء جاليتنا فحذونا حذوهم.
وأنا أنشرها هنا لتعميم الفائدة.

القوني
08-02-2011, 12:06 PM
(861)
ـ أنت سوداني؟
ـ نعم.
ـ من الشمال؟
ـ لا.
ـ من الجنوب؟؟
ـ لا.
ـ من أين؟
ـ من السودان.

القوني
08-02-2011, 06:46 PM
(860)
تلاميذ سنة أولى يسألونني عن كل شيء. فانا مرجعهم الموثوق وأكون عند حسن ظنهم دائماً. لا أخذلهم أبداً وأجيب على أسئلتهم كلها برحابةِ صدرٍ وبمنتهى الصراحة والشفافية. لا أقول غير الحق ولو على نفسي.
ـ يا أستاث، بنطلونك مشروط. ليه ما تشتري بنطلون جديد؟!
ـ ما عندي قروش.
ـ يا أستاذ، شفت سيارة ولد الوزير الجديدة؟
ـ أيوه شفتها.
ـ من وين جاب القروش؟!
ـ أبوه حرامي.
ـ يا أستاذ،عندنا حكومة؟
ـ لا.
ـ يا أستاث، يا أستاث،
ـ أستاذ، بالذال يا بغل. ساعدونا بالنطق.
ـ يا أستاث، قالوا حيعملوا لينا طيارات.
ـ أيوه، زي طياراتكم بتاعة القصب دي.
ـ يا أستاذ، أبوي لما يجي زول بقول لي قول ليه أنا ما في ليه؟!
ـ عشان أبوك إسلامي وفي الحزب الحاكم.
ـ يا أستاذ، ليه جارنا مات أم بارح؟!
ـ عشان ما يحضر تقسيم السودان.
ـ يا أستاذ، التماسيح بتاكل الناس؟
ـ أيوه بتاكلهم.
ـ يا أستاذ، طيب ليه ما تاكل الرئيس؟!
ـ عشان هو ما بمشي البحر.
ـ يا أستاذ، وبمشي أم درمان بوين؟!
ـ بالكبري.
ـ يا أستاذ، وليه الكبري ما يقع ويرميه للتماسيح؟!
ـ الكبري ما بقع. بنوه الإنجليز.
ـ يا أستاذ، ليه بلدنا شينة وأنحنا مفلسين؟
ـ لا، لا.. بلدنا ما شينة. بلدنا جميلة وغنية. بس أنحنا مطاميس.
ـ يا أستاذ، في ناس بياكلوا لحمة؟!
ـ مش بعيد. الله أعلم.
ـ يا أستاذ، ليه عملوا لينا محافظ؟
ـ عشان يغشنا ويكذب علينا.
ـ يا أستاذ، يا أستاذ، ليه نار جهنم كبيرة؟!
ـ عشان ناس الحكومة كتير.
هذه حالنا. يسألونني عن كل شيء، فانا مرجعهم الموثوق وأكون عند حسن ظنهم دائماً. لا أخذلهم أبداً وأجيب على أسئلتهم كلها برحابةِ صدرٍ وبمنتهى الصراحة والشفافية. لا أقول غير الحق ولو على نفسي.
إلى أن أصدرت مجالس الشعب لدينا قانوناً يمنع المعلمين من الإجابة على أسئلة تلاميذهم. سنة أولى بالذات.
ـ يا أستاذ، منو القسّم السودان؟!
ـ بس يا ولد. ولا كلمة.
يا أستاث، يا أستاث، إنت خايف؟!
ـ اطلع برا.

القوني
09-02-2011, 09:36 PM
(859)
ـ الأخ سوداني؟
ـ نعم سوداني.
ـ أريد أن ازور بلدكم. ما المعالم السياحية لديكم؟
ـ لدينا الكثير، الكثير. لدينا سجن كوبر، الجنجويد، المشورة الشعبية، انفصال الجنوب، المجاعات، اللاجئين، المغتربين.. ولدينا أشياء لا تجدها في غير السودان. كأسراب الوزراء، وقطعان النواب.
ـ وهل لديكم آثار قديمة؟!
ـ نعم، نعم. لدينا آثار الإنجليز. الجيش، البوليس، السكة الحديد، المطارات، الميناء، مشروع الجزيرة، جامعة الخرطوم، معهد بخت الرضا، المدارس، المستشفيات، الوزارات، القصر الجمهوري، والجنسية.
ـ وهل لديكم انجازات حديثة؟
ـ نعم. ما أكثرها. بيوت الأشباح، الخلاوي الجامعية، انقلابات، انتخابات مزورة، حكومات، برلمانات، مجالس وزراء، محاكم النظام العام، معسكرات القوات الأجنبية، القرى المحروقة، الإرهاب، رقصة الرئيس، شرطة شعبية، دفاع شعبي، شماشة، بائعات شاي، متسولين، مجانين. كل شيء موجود.
ـ وهل لديكم نيل؟
ـ نعم. ولكنه مرهون.
ـ وهل لديكم سفارة هنا؟
ـ نعم لنا سفارتان. ونسعى للمزيد.
ـ أنتم البلد العاشر في العالم مساحة؟!
ـ نعم؟.. لم أسمعك.
ـ والبلد الخامس في العالم ثروة؟!
ـ نعم؟.. وهذه أيضاً لم اسمعها.

القوني
09-02-2011, 09:45 PM
(856)
ـ ما الذي بينكم وبين أمريكا؟
ـ نحن؟!.. لا شيء. كل خير.
ـ ولمَ تلاحقكم؟
ـ نحن؟!.. هم الإسلاميون.
ـ وما الذي بينكم وبين جيرانكم التسعة؟
ـ نحن؟!.. لا شيء. كل خير.
ـ ولم يحاربونكم؟
ـ نحن ؟!.. هم الإسلاميون.
ـ وما الذي بينكم وبين الإسلام؟
ـ نحن؟!.. لا شيء. نحن مسلمون.
ـ ولمَ زورتموه؟
ـ نحن؟!.. هم الإسلاميون.
ـ وما الذي بينك وبين البعوضة؟
ـ أنا؟!.. لا شيء.
ـ ولمَ لدغتك في قدمك؟
ـ أنا؟!...
حككت، استيقظت. فإذا بالبعوضة قد أدمت قدمي.

القوني
10-02-2011, 06:35 PM
(855)
ـ أين رئيسكم؟
ـ هو هذا.
ـ هذا عسكري!!
ـ نحن عسكرناه.
ـ وطويل!
ـ نحن طولناه.
ـ الأول مدني!!
ـ نحن مدناه.
ـ وقصير!
ـ نحن قصرناه.
ـ إذاً لمَ يجوعكم؟!!
ـ نحن فوضناه.

القوني
10-02-2011, 06:39 PM
(852)
سألني صديقي المندهش: لا حول الله!!.. كيف حدث هذا؟!
ـ الأمر بسيط. كنتُ معلماً في الجنوب في مدرسة واو "أ" المقابلة للسلاح الطبي. وفي حصة الدين ـ هكذا نكتبها في الجدول. لا نكتب إسلاماً ولا مسيحية ـ في حصة الدين وكنا نتقاسم الفصل أنا وزميل مسيحي. أنا أدرس المسلمين الإسلام، وهو يدرس المسيحيين المسيحية.
عندما يغيب أجمعهم في مكانٍ واحدٍ وأدرسهم الإسلام، وإن غبتُ جمعهم في مكانٍ واحدٍ ودرسهم المسيحية.
ـ لا حول الله!!. ثم ماذا حدث؟!
ـ الأمر بسيط. في بداية العام كان عددنا أقل، وفي نهاية العام كنا نحن الأكثر.
ـ لا حول الله!!. وماذا حدث؟!
ـ الأمر بسيط. لا تخف على الإسلام يا عزيزي, فالإسلام لا يخاف عليه إلا ناقص دين، ولايتلفه إلا إسلامي.
ـ لا حول الله!!.. والله صاح.

القوني
10-02-2011, 06:40 PM
(851)
أقيمت مسابقةٌ عالميةٌ في الرسمِ لأطفالِ العالم قَصدَ منها معرفة أماني، وأحلام، وأمال، واهتمامات الأطفالِ في المستقبل.
رسمَ أطفالُ أوروبا حديقةً ملأى بالأزهارِ والفراشات.
أطفالُ أمريكا الجنوبيةِ رسموا كرةَ قدم.
أطفالُ آسيا رسموا أجهزة كمبيوتر.
أطفالُ العربِ رسموا متفجرات.
أما أطفالُ السودان فرسموا شيئاً جميلا.
رسموا "عصيدةً" كبيرةً بيضاء، و"مُلاحاً" زاهيَ اللونِ أخضر.

القوني
10-02-2011, 06:43 PM
(849)
لم نر مغالطاً كهذا المسمى عبد الرحمن أبداً. أعرناه بعض المال. وعندما طالبناه بتسديد الدين أنكرنا.
قلنا: أتأكلنا هكذا عينك عينك، يا عبد الرحمن؟!
قال: لا أعرفكم، ولم أركم.. من أنتم؟!.
آه.. تذكرت، تذكرت.
منذ أن رأيتكم وأنا أتساءل أين رأيت هذه الوجوه الرضية. حمداً لله على السلامة يا جماعة.. لمَ لم تخبروني من البداية.. أهلاً بجيراننا أهل القمر. شرفتم ونورتم الأرض والله. هل أنتم مثلنا؟
نحن نأكل الناس. فماذا تأكلون أنتم؟ الشجر؟ وهل يقلبون عليكم الحكومة، وينزعون سراويلكم، ويرقص رئيسكم ويقول لكم الإخوة المواطنون؟
قلنا: عيب يا عبد الرحمن. يا خي خلاص اسكت. اللهم اشهد على عبد الرحمن.

القوني
11-02-2011, 03:24 PM
(848)
البارحة بعد إعلان فصل الجنوب وانتهاء المرحلة الأولى من تفتيت الوطن، بكيت، وبعد أن بكيت، بكيت، وقبل أن أموتُ نمت. فرأيت فيما يرى النائم ـ اللهم اجعله خير ـ أنني ذهبت إلى الأمم المتحدة.
قلت: أريد مقعدين لدولتين، واحجزوا لي من المقاعدِ عشرة.
سألوني: من أنت؟
قلت: أنا السودان.
قالوا: اذهب فليس لدينا لك مكان. فنحن الدول التي ما بادت.
وأنا في الطريق إلى البيت، لقيت عاداً، وثمود، والفرس، والروم، والبابليين.
قلت: أريد مقعدين لدولتين، واحجزوا لي من المقاعدِ عشرة.
سألوني: من أنت؟!
قلت: أنا السودان.
قالوا: اذهب فليس لدينا لك مكان. فنحن منظمة للأمم التي سادت وبادت، وأنت بدت ولم تسد.
فعدت إلى البيتِ وأقمتُ منظمة للأمم التي بادت وما سادت.
واستيقظت فإذا بعصفور يحطُ على الشباك: بادت، سادت، بادت، سادت.

القوني
11-02-2011, 03:26 PM
(847)
في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن، كان يحكي لأحفاده حكاية وهم يجلسون بقرب المدفأة يتناولون الآيسكريم ويشاهدون التلفاز.
قال لهم، حدثني جدي عن جده قال: كنا نعمل في "نفير" في ذلك اليوم المطير في مزرعة عمنا موسى، ونحن في غاية السرور وكنا نغني. وفي المساء عدنا إلى القرية وكانت لنا مناسبة سعيدة في تلك الليلة. إنه زواج ابن عمي محمد على بنت عمه منصور.
وبينما كنا نرقص ونبشر، فجأة هجمت علينا أشباحٌ بيضٌ كثة اللحي وهي تحمل عصٍ ينطلق منها الشرر وتحدث أصواتاً عالية. فهرب الجميع. لم يقبضوا منا إلا على خمسة. خليل ابن شيخ القرية، ونجيب المغني، وعمر ابن إمام الجامع، والعريس ابن عمي محمد، وأنا.
فسألوه: وهل أكلوهم؟
قال: لا.
قالوا: أين ذهبوا بهم؟
قال: إلى هنا.

القوني
11-02-2011, 03:27 PM
(845)
هي تعملُ في حارته، وهو يعملُ في حارتها.
في كلِ يومٍ وفي نفسِ الموعدِ يلتقيان. يحييها دونَ كلامٍ، وبالبسمةِ تحييه.
قبلَ اللقاءِ الأول كان يذهب بالحافلة، وقبل المرةِ الأولى كان أبوها يوصلها معه بالسيارة وهو في طريقه إلى السوق الكبير حيث متجره.
كل ما حدثَ صدفة. في ذاك اليوم قرر أن يكسر الروتين، وكان أبوها مريضاً.
رآها من بعيد وكان يسير إلى اليسار فمال نحو اليمين وكاد يلامس الكتفُ الكتفَ وبعد ان تجاوزها التفت، فإذا بها تنظر وتبتسم.
ومن يومه ذاك ما ركب الحافلة، ومن يومها ذاك ما رافقت أباها.
في كل يومٍ يلتقيان في نفس الموعد والمكان أمام الياسمينة المطلة على الشارع من فوق الباب. الياسمينة أزهرت، وكادت تفارق البيت.
بين حييهما وادٍ يعبرانه. قرر أن يلتقيها على الرمال، وهي قررت.
خرج مبكراً، وتأخرت. فضاع من عمرهما يوم.
في اليوم التالي تأخر، وأبكرت. فضاع من عمرهما يومان.
في الثالث كان اللقاء في الوادي. الرمال ازدادت بياضاً وصفرة، والعصافير جزلى، والأغصانُ عانقت الرمال، وحتى الغمام.
في اليوم الأول لم يحدثها، ولا هي تحدثت.
في التالي، حياها، وحيت.
في الثالث....
من متى وأنا أكتب عن الحب؟!!
اقتادوه للدفاع الشعبي، فمات.

القوني
12-02-2011, 11:31 AM
(843)
ـ هون عليك يا عزيزي.. بعض الناس يرتكبون الأخطاء لسوء طباعهم وفطرتهم كالسياسيين مثلاً. وبعضهم تجبرهم الظروف.
ـ حليمة!! تتخيل أنها حليمة نفسها بشحمها ولحمها!!
ـ هون عليك. والله أنا نفسي لا أصدق. هل أنت متأكد أنها هي؟!
ـ متأكد؟!! من يعرفها أكثر مني؟!
ـ أنا أقدر حجم الصدمة. فأنا أعرف أنك كنت تنوي خطبتها عند عودتنا إلى قريتهم بعد العطلة الصيفية. هل أنت متأكد تماماً أنها هي؟
ـ سأصطحبك غداً لتراها بعينيك. يبدو أنك لا تصدقني؟
ـ لا، لا.. أصدقك. هل تحبها إلى هذه الدرجة؟
ـ تسألني وأنت تعرف بكل شيء؟!
طبعاً، طبعاً أعرف كل شيء. ولكن هل حاولت أن تجد لها عذراً؟
ـ طبعاً أنا أعذرها وأعلم أن قريتهم احترقت، ومات من مات، ومن نجوا بعضهم في معسكرات النازحين وبعضهم في الملاجيء.
ـ إذاً احمد الله أنها لم تغادر الوطن.
ـ ماذا تقصد؟!
ـ أعني ما دمت تحبها وتعذرها، لمَ لا تتزوجها؟
ـ أتزوجها؟! أتزوجها من بيت الدعارة؟! أنت مجنون؟!
ـ لمَ لا.. مادمت تحبها وتعذرها لم لا تتزوجها؟ لو كنت مكانك لتزوجتها.
ـ هذا رأيك؟
ـ نعم. هذا رأيّ.
ـ متأكد؟
ـ متأكد.
ـ إذاً ستذهب معي غداً إليها.
ـ ولمَ غداً؟
ـ إذاً مساء اليوم.
ـ ولم المساء؟
ـ الآن؟
ـ هيا.
ـ هيا.

القوني
12-02-2011, 02:55 PM
(842)
بعد خمس سنواتٍ من الاستفتاءِ طلب مني أحدهم أن أرسم خارطة السودان. فرسمت السودان الذي أعرفه.
قال: لا. لا.. هذا قبل أربعة أعوام.
رسمت فيلاً.
قال: لا. لا.. هذا قبل ثلاثة أعوام.
رسمت ثوراً.
قال: لا. لا.. هذا قبل عامين.
رسمتُ خروفاً.
قال: لا. لا.. هذا العام الماضي.
رسمت نملة.
قال: لا. لا.. هذا العام القادم.
ثم زارني بعد خمس سنواتٍ وطلب مني أن أرسم السودان.
فرسمت قملة.
قال: لا. لا.. هذا قبل أربعة أعوام.
رسمت خروفاً.
قال: لا. لا.. هذا قبل ثلاثة أعوام.
رسمت ثوراً.
قال: لا. لا.. هذا قبل عامين.
رسمت فيلاً.
قال: لا. لا.. هذا العام الماضي.
رسمت السودان الذي أعرفه.
قال: هذا هو السودان.

القوني
12-02-2011, 02:56 PM
(840)
ـ اسمك؟
ـ خالد جبريل.
ـ خالد جبريل؟!!
ـ نعم.
ـ العمر؟
ـ 25.
نظرت إليه بطرف عينها، تفحصته من رأسه إلى قدميه.
أروع مما كنت أتصور. وسيم، مهذب، رزين. هكذا قالت في نفسها.
ـ اخلع قميصك.
نبضات القلب، التنفس، الحرارة. مع أنه جاء يشكو جرحاً في قدمه أصابه في العمل. تأكدت من ندبة الشظية على كتفه.
طببته وطلبت منه أن يعاود كل يوم.
بعد أسبوعين طاب الجرح تماماً. ولكنها ولسببٍ ما، طلبت منه أن يعاود كل يوم. وربما لنفس السبب لم يغب.
في إحدى المرات كتبت الاسم ثلاثياً. مع أنه لم يسبق أن اخبرها. محته سريعاً قبل أن ينتبه.
هما ليسا من هنا. هي من الوسط ولها عامان هنا كطبيبة، وهو من غرب البلاد وله شهر كمهندس في البترول.
سألته مرة عن عمله فأخبرها. وعن أهله. مع أنها سمعت بهم وتعرف أسماءهم واحدا واحداً. سألته عن أمه، أبيه، إخوته، أخواته، خالاتها، عماته، جدتها، جده.
وسألها فلم تخبره. أخفت عنه الحقيقة. حتى اسمها قالت أن اسمها هالة، مع أن اسمها خلود.
وسألته أسئلة شخصية جداً. سألته إن كان مرتبطا أم لا.
قال لها لا. ولمّح إلى أنه يتمني أن يحدث ذلك قريباً، إن لم يكن لديها مانع.
ـ أنا؟! ومالي أنا؟
هكذا قالت وهي تخفي عصفوراً طار من صدرها.
احتارت في أمرها. ماذا تفعل؟ فأرسلت لأمها وجاءت الأم.
في اليوم التالي اصطحبت معها أمها إلى العيادة، وفي الموعد المحدد جاء.
دار الحديث عادياً. وبلا قصد سألته أمها: ما اسمك يا ولدي؟
ـ خالد جبريل تيراب.
ـ خالد جبريل تيراب؟!!
ـ نعم.
احتضنته وهي تسأله: كيف أخي جبريل؟
ـ بخير.
ـ وأمك آمنة؟
ـ بخير.
ـ وأبي تيراب؟
ـ بخير.
سألها باندهاش: من أنت يا عمة؟!
ـ أنا؟ ألم تعرفني؟! أنا عمتك مريم تيراب وهذه بنتي.
ـ هذه خلود؟! أنت الدكتورة خلود بنت عمتي مريم؟!
* * *
م ن، م ت ى، وأن ا، أك ت ب، ع ن، ال ح ب؟
* * *
بعد يومين نشيت الحرب بين جمهورية الصحراء الشمالية، وجمهورية الغابات الاستوائية.
تم إجلاء المواطنين من مناطق البترول، ولم يلتقوا بعد ذلك.

حسين محمد يوسف
12-02-2011, 06:46 PM
رسمت السودان الذي أعرفه.
قال: هذا هو السودان.

نعم هذا هو السودان الذي نعرفه والذي تباهينا وتنافسنا علي رسمه
حقيقة لا استطيع ان ارسم خارطة غير التي عرفتها...

القوني
13-02-2011, 03:49 PM
(838)
ـ كيف نجحتْ الثورة؟
ـ نجحت الثورة لأننا بدأنا بالمتمردين، ثم المعارضة، واختتمنا بالحكومة.
ـ ولكن هذا يخالف الدستور.
ـ الثورة لا تعرف الدستور. الثورة فوق الدستور. الثورة نفسها دستور.
الثورة إعصار. والأعاصير لا تعرف دستور الشبابيك والمراوح.
الثورة سيل. والسيول لا تعرف دستور المجاري والجداول.
الثورة إعصار وسيل. والأعاصير والسيول لها دستور آخر.

القوني
13-02-2011, 03:51 PM
(837)
بعد قتلهم السودان بيومين وبعد أن شبعنا بكاءً أنا ودينق، قلتُ له: "سهر الجداد ولا نومه" هيا إلى السفارة.
فذهبنا.
سألني السفير: هل أنت سوداني من الشمال؟
تحدثت بلغة الدناقلة فلم يفهم شيئاً.
قال له دينق: سأترجم لك.. يقول أنه ليس سودانياً. فهو من جنوب جمهورية الصحراء الشمالية. من كوستي.
وكانت الترجمة بلغة الفور فلم يفهم السفير شيئاً.
وسأل دينق: هل أنت سوداني من الجنوب؟
تحدث دينق بلغة الدينكا فلم يفهم السفير شيئاً.
قلت له: سأترجم لك.. يقول أنه ليس سودانياً. فهو من شمال جمهورية الغابات الاستوائية. من ملكال.
وكنت أتحدث بلغة الهدندوة فلم يفهم السفير شيئاً.
ثم سألنا السفير ودون أن يفهم شيئاً: ولمَ أتيتم إلى سفارة جمهورية السودان إذاً؟!
قلنا بلغة الفور، والدينكا، والهدندوة، والدناقلة: جئنا نهنئكم.
لم يفهم سيئاً فتركناه في حيرة من أمره وذهبنا.
ونحن نغادر سألني دينق: أتظن أنه من "الجداد؟"
قلت: بالتأكيد. ألا تراه أنزل خارطة السودان ورفع خارطة الشيخ؟!

القوني
13-02-2011, 03:52 PM
(836)
ـ ألو.. بثينة إزيك.
ـ أهلاً.. يا منو؟
ـ حأكلمك بعدين. بالمناسبة، صاحبتك دي اسمها منو؟
ـ أنا صاحباتي كتير. منو فيهن؟
ـ أحلى واحدة.
ـ صاحباتي كلهن حلوات.
ـ العيونها نعسانة، وخدها ناعم، وقوامها لادن دي.
ـ دي منو دي؟
ـ يا خي الكانت لابسة توب بمبي.
ـ هاااا.. هديل. دي هديل. مالها؟
ـ يا خي دي جننتني. حبيتها من أول نظرة. عليك الله قولي ليها ما تبهدلني كدا. الرأفة يا خوانا الرأفة.
ـ مادام بتجبها كدا ما تمشي تخطبها.
ـ هي ما مخطوبة؟
ـ لا.
ـ والخاتم الفي يدها دا شنو؟
ـ دي حركات منها ساي.
ـ يا ليت ياخي. بس أنا ما عارف بيتهم.. لو عارف بيتهم من دربي دا لأبوها.
ـ بتحبها للدرجة دي؟
ـ درجة شنو ياخي. دا الحد الأدنى.. شفتي ليك زول مات من الحب؟
ـ لا.
ـ خلاص بكرة في طريقك للمدرسة لو شفتي جنازة مودنها المقابر دا أنا.
ـ خلاص أخطبها والله بتمم ليكم بخير. بس ما تبقى زي خطوبة الزمن دا.
ـ لا، لا.. أنا اليومين دي مشغول بالوحدة. بس أول ما الوحدة ترجع، تاني يوم بتزوجها.
ـ والله دا حب عجيب.
ـ حب عجيب وبس؟!. والله دا حب لو ختوه في الباص دا ما يشيله.
ـ إنت راكب باص؟
ـ أي راكب باص.
ـ وبالمناسبة، إنت بتعرفها من وين؟
ـ بعرفها من وين؟!.
ما ياها دي راكبة جنبي بتوبها البمبي، وفي يدها الدفتر الفيه اسمك وتلفونك.

القوني
14-02-2011, 11:49 AM
(834)
ـ أااه.. كراعي، كراعي.. الله.
ـ كراعك مالها؟
ـ عين. أديتيني عين يا بت الناس بعيونك الكبار السمحات ديل.
ـ عين؟!! هو الزيك دا بدوه عين في شنو؟
ـ مالي؟ ما عاجبك؟
ـ يدوك عين في لونك الأسمر دا، ولا طولك الفارع، ولا عيونك السود ديل، ولا عشان سوداني؟
ـ لوني الأسمر دا ماله؟.. ما عاجبك؟
ـ لا عاجبني.
ـ وطولي ماله؟.. شين؟
ـ لا.
وعيوني السود ديل ما عاجباك.
ـ لا عاجباني.
ـ والسودان ماله؟
ـ ماله السودان؟. أجمل بلد.
ـ طيب بتشتميني ليه؟
ـ القال ليك أنا بشتمك منو؟ أنا بتغزل فيك.

القوني
14-02-2011, 04:17 PM
(832)
العصفور القرد
بالكاد أفلتتْ منهم وهي تحملُ طفلها الرضيع.
ساعتان من الركضِ لا تلوي على شيءٍ وأخيراً توقفتْ، تلفتتْ، وجلستْ تحتَ ظلِ شجرةِ العرديب تستجم وتستظل.
طيورُ المقيلِ أدهشها المنظر. الطفلُ الذي لم يحسنْ المشي جيداً، مرةً يقفُ ويسقط، وتارةً يحبو مبتعداً ثم يدنو من أمه يبكي وهي لا تحركُ ساكناً.
العصافيرُ الصغيرةُ حطتْ جواره. بعضها تحلق حوله، والبعضُ الآخر حط على كتفه ورأسه وهي تشدو. ربما آلمها بكاؤه فحاولتْ تسليته وإسكاته.
قطيعُ القردةِ القادمِ من بعيدٍ توقفَ متوجساً لبعضِ الوقتِ يراقبُ الأم. الأمُ لم تحركْ ساكناً فدنا من الشجرة.
العصافيرُ أقلعتْ وحطتْ على الأغصانِ القريبةِ بينما اقتربتْ منه صغارُ القردةِ تلاعبه وتلاطفه.
إحدى الأماتِ احتضنته برفقٍ ترضعه. اقتربَ ابنها الصغيرُ فمنحته الثدي الآخر.
ثم حملته أخرى على ظهرها ومضوا بعدَ أن انتزعوه من العصافير، وهو ينظرُ إلى أمه دونَ أن تحركَ الأمُ ساكناً.

القوني
15-02-2011, 03:12 PM
(831)
هو يسكن الحي السياسي. أبوه يعمل متسولاً، وكذا أمه.
بيتهم الكرتوني يقبع تحت عمارة أحد الأثرياء شبه الحكوميين. هذا الرجل الثري شبه الحكومي رحيمٌ على الفقراء. لذا سمح لهم بإقامة كوخهم جوار عمارته مقابل حوض السباحة. ومن نبله لم يفكر حتى في أنها ستحجب عنه الهواء.
هذه القصةُ إن تتبعناها خطوةً خطوة، فلن تكتمل قبل أن تصبحَ قصةً طويلةً وأنا أكتبُ القصصَ القصيرة. لذا دعونا ندلف إلى الخاتمة مباشرةً.
يوم اندلعت الثورةُ كان هذا الطفلُ في العاشرةِ ولم يدخل المدرسة بعد.
ويوم عادت وحدة الوطن من جديد كان قد أكمل الجامعة لتوه.
أما اليوم فهو يعملُ وزيراً للعدل، بينما الرجل الثري شبه الحكومي صاحب العمارة قد صادرت الثورة كل ممتلكاته، ولا زال يقضي عقوبةً بالسجن لن تنتهي إلا بحياته.

القوني
15-02-2011, 03:30 PM
(829)
في عينيها حاجة غريبة. حاجة يحلم بها كل شابٍ مثله بالكاد تجاوز العشرين. شلالات سوني، غابات نيو سايد، مياه توتيل، باسقات النخيل، ضفافُ النيلِ والوقت ليل.
وفي عينيه حاجة غريبة. حاجة تحلم بها كل شابةٍ مثلها بالكاد تجاوزت الثامنة عشر. الرشاش، الدرت، الهبباي، ذوبان الجليد، وحرارةٌ ثم نسيم.
أحبها وأحبته، خطبها وافقت، وحُددّ موعد الترسيم.
من متى وأنا أكتب عن الحب؟!
ظلموه تمرد، ضربوه مات.

القوني
17-02-2011, 11:42 AM
(92)
قلنا لعبد الرحمن: نريدُ أن نغادرَ هذا المعسكر. يا أخي نريدُ أن نسافرَ في أرضِ الله والواسعة.
قال: سافروا. سافروا وأنتم مطمئنون. فكل الشعوبِ تحس بالغربةِ متى ما فارقتْ أوطانها إلا السودانيين.
أينما ذهبتَ وفي أي اتجاهٍ شرقاً غرباً، جنوباً شمالاً، وفي أيةِ قارةٍ. أفريقيا، آسيا، أوروبا، الأمريكتين، أستراليا، القارة القطبية، ومهما كانت التضاريس. وادٍ، جبل، سهل، ومهما كان الطقس. حار، بارد، جاف، ممطر، وفي أية أرض. الأولى، الثانية، الخامسة، السابعة.
أينما ذهبت ستجدُ أحدَ مواطنيك. يحلفُ عليك طلاقاً، يستضيفك. يذبح لك أي شيء. كنجارو، دلافين، بطريق، ضفدعة، جرادة، سمكة. فتحس أنك في بيتك.
سحْ يا عزيزي سحْ في الأرضِ كما شئت. فكل الشعوبِ تحسُ بالغربةِ متى ما فارقتْ أوطانها إلا السودانيين.

القوني
17-02-2011, 11:50 AM
(94)
اشترى سيارةً جديدةً صباح اليوم.
نفس اللونِ الذي يحبه ويحلم به.
لكنه ولسببٍ ما، عبأها بالبترول، أوقفها جوار البيت، تماماً أمام الباب.
أدخلَ يده في جيبه، أخرجَ علبةَ الثقاب، أشعلَ عوداً، تأملها جيداً، دارَ حولها دورتين، مسحَ عليها بيده، طبطب، نفضَ الغبار، فتحَ الباب، أغلقه، تلفتَ حوله.
ثم أشعلَ سيجارة.

القوني
17-02-2011, 02:37 PM
(827)
ـ وأين كانت؟!
ـ كانت في المتحف القومي. خبأها الوحدويون هناك سراً.
ـ وبقيت هناك طيلة هذه الفترة؟!
ـ لا، لا.. في فترة حصار الثوار للخرطوم وقبل تدمير العاصمة أخرجها الوحدويون سراً أيضاً. وكانت تستضيفها بعض المدن بالتناوب. كسلا، الفاشر، جوبا، الدامر، مدني، ملكال، الأبيض. واو.
ـ ولمَ منعوها؟!
ـ لم يُجمع المؤرخون على سبب واحد. بعضهم قالوا لأنها تذكر الناس بالزمن الجميل.
ـ ثم ماذا حدث؟!
ـ لا شيء.. أقاموا لها متحفاً في العاصمة الجديدة بعد عودة الوحدة.
ـ اكتبها لي هنا حتى لا أنساها عند زيارتي للعاصمة
ـ آسف. ليس معي قلم.

القوني
17-02-2011, 02:49 PM
(826)
ـ أهلاً انجلينا. شنو ياخي براكم كدا؟ ما تدونا منقا معاكم.
ـ منقا دي أديتو من حكومة. يا هو دي حكومة أداني.
ـ الحكومة؟! الحكومة بتدي منقا؟!
ـ أي يا همن دي حكومة أداني.
ـ وأنحنا ليه ما تدينا؟
ـ إنت بعرف حكومة؟!
ـ في زول ما بيعرف الحكومة؟! بعد العملته فينا دا ننساها؟
ـ إنت بعرف حكومة بت خالتي لوشيا؟!
ـ هااا حكومة بت خالتك. أنا قايلها الحكومة بت عمهم.
ـ بالله عاين دا؟ حكومة بتاع عم لهمن دا بدي زول حاجة؟
ـ والله ما بتدي زول حاجة. لكن أنا افتكرت إسلامية.
ـ أنا إسلامي؟! هووووي يا إنت دا. أنا والله بعمل شكمان مع إنت هسع.
ـ خلاص أنا آسف.

القوني
17-02-2011, 05:46 PM
(20)
شتمهم دون ذنبٍ جنوه. وعندما طالبوه بالاعتذارِ رفضَ فضربوه. وعندما طلبَ منهم ألا يضربوه قتلوه.
* * *
هذه القصةُ حكتها لي جدتي بعد أن أسمعتها قصةً مشابهة.
فعلق جدي بكلامٍ لا يصلحُ للنشر.

القوني
18-02-2011, 03:26 PM
(825)
الراكب الأول:
ـ يا سواق، طالع من الخط مالك؟!
ـ على مزاجي.
ـ يا خي ما تودينا بهنا.
ـ لا بوديكم.
ـ خلاص نزلني هنا.
ـ يلا أنزل. في ستين داهية.
الراكب الثاني:
ـ يا سواق، شغّل المكيف.
ـ ما بشغّله.
ـ طيب نزلني هنا.
ـ يلا انزل في ستين داهية.
الراكب الثالث:
ـ يا سواق، ياخي وقف البوري دا أزعجتنا.
ـ ما بوقفه.
ـ خلاص نزلني هنا.
ـ يلا انزل. في ستين داهية.
الراكب الرابع:
ـ يا سواق، شوف قدامك ياخي ما تودينا في داهية.
ـ ما بشوف.
ـ طيب نزلني هنا.
ـ يلا انزل. في ستين داهية.
في المحطة:
ـ وين الركاب؟!
ـ الركاب شاكلتهم ونزلتهم في الطريق.
ـ وجاي نعمل بيك شنو؟! الباص دا عملناه ليك ولا للركاب؟! يلا مع السلامة.
ـ في ستين داهية. أنا ماشي ماليزيا.

القوني
19-02-2011, 11:13 AM
(821)
ـ هل "تشعبطتَ" القطارَ مثلي، وزرتَ واو، وكريمة، ونيالا، وبورتسودان، وحلفا القديمة، والأبيض؟
هل تسلقتَ نخيلَ الباوقة مثلي، وهشابَ الغرب، ومنقة كسلا، ودليب الطوال، وتيك قوقريال؟
هل شربتَ ماءَ النيلِ مثلي، وسبحتَ في بحر العرب، وخور أبو حبل، والقاش، وبلبل؟
هل أكلتَ كسرة الفتريتة مثلي، وعصيدة الدخن والبافرا، وقراصة القمح؟
هل سمرتَ تحتَ ضوءِ القمر مثلي، على رمال أزوم، وشواطي النيل، ورمال أم بادر، وسواكن الساحل؟
هل رقصتَ النقارة مثلي، والكسوك، والجالوة، والعرضة.
هل تغبّرتَ مثلي، بالهبباي، وقروة، وقلت للزوبعانة: "الله معانا ما تغشانا"؟
هل أصبتَ بالملاريا مثلي، والبلهارسيا، والرمد، وسوء التغذية؟
هل تذوقتَ الملاجيء مثلي، ومعسكرات النزوح، والاغتراب؟
إذاً، فأنتَ مثلي. مع الوحدةِ وضد الانفصال.
سجلوه في كشوفات "وحدويون بلا حدود"
بعده.

القوني
19-02-2011, 03:48 PM
(822)
ـ لمن هذه الكفةُ الراجحة؟!
ـ للوطن.
ـ ونلك؟
ـ لغيره

القوني
19-02-2011, 03:49 PM
(820)
هما جاران. الحيطةُ بالحيطة.. وقريبان. الخالةُ بالخالة.. وطفلان. البراءةُ بالبراءة.. ويلعبان. اللعبةُ باللعبة.. وتلميذان. المدرسةُ بالمدرسة.. ويذاكران. الكتابُ بالكتاب.. ويتنافسان. الأولُ بالأول.. فشابان. الزهوُ بالزهو.. فطبيبان. السماعةُ بالسماعة.. فحبيبان. القلبُ بالقلب.. وعادلان. النظرةُ بالنظرة.. ورقيقان. الهمسةُ بالهمسة.. ويتبادلان. الوردةُ بالوردة.. وخطيبان. الدبلةُ بالدبلة.
من متى وأنا أكتبُ عن الحب؟!
فصلوه للصالحِ العام. اغتربَ ولمْ يعد.
.

القوني
20-02-2011, 11:11 AM
(818)
ـ يبدو أنك من عملاء أمريكا.
ـ أنا؟! بالعكس. أنا من المعارضين لكل أشكال الغطرسة. حتى بقراتي وحصاني بعتها حتى لا أتشبه بهم.
ـ كيف تقول هذا وأنت تدعو للتصالح والتعامل معهم؟!
ـ يا عزيزي، إن صالحت أمريكا فكل خيراتك ستذهب إليهم من دولةٍ واحدة. وإن عاديتها فستذهب خيراتك إليهم أيضاً. ولكن من دولٍ متعددة.
هذه قاعدة بلا استثناء.
ـ ماذا تقصد؟!
ـ انظر إلى حالنا اليوم. عادينا أمريكا وناطحناها فماذا جنينا؟
كل خيراتنا تذهب إليهم بلا مقابل ومن دول متعددة. أين الوطن؟
ـ والرأي؟
ـ الرأي رأي جدتي: " دنيا دبنقة دردقوا بشيش"

القوني
20-02-2011, 11:17 AM
(817)
ـ صباح الخير.
ـ صباح النور.
ـ لو سمحتي يا خي. ممكن خدمة؟
ـ جداً.
ـ لو سمحتي بيتنا بوين؟
ـ بيتكم؟!
ـ أي بيتنا. والله مما شفتك فقدت أعصابي وراسي اتشطب. والله اسمي زاته نسيته. أنا اسمي منو؟
ـ اسمك؟!
ـ أيوه اسمي. أنت عارفه. أنحنا ناس الريدة ديل أصلنا كدا. لامن نلقى واحد ونحبه بنتكبكب ونتلخبط. الواحد فينا ما يعرف راسه من كرعيه. أنا راسي وينو؟
ـ راسك؟!
أي راسي. إنت الظاهر عليكي ما حبيتي. حبي ياخي حبي. جربي تحبي و مرة واحدة في حياتك.
ـ أحب؟!
ـ أيوه حبي. حبي ياخي حبي. هو الحب عيب؟!
هسع بالله عليك الله أناناس يا مبيو، ولاتمر القنديلا، ولامنقة كسلا، ولادليب الغرب الطواال دا، في أجمل منه؟!!
ـ أحب الدليب؟!
ـ دليب شنو ياخي، دليب شنو؟! الدليبة التقع في راسي دا تكتلني وإنت تسلمي.
سيبك من دا كله. الخروف الحمري، ولا بقر كنانة والدينكا، ولا خيل البقارة، ولا حمير دنقلا الريفاويات ديل، في أحسن منهن؟
ـ أحب الخمير؟!
ـ حمير؟! حمير شنو ياخي، حمير شنو. الحمار اليرفسني في رجلي اليممين دي ـ لا دي بجلي بيها الكورة ـ ولا الشمال دي ـ لا دي للجري ـ والله الزمن دا الواحد داير ليه أربعة كرعين. يرفسني في ضهري دا وأموت وإنت تسلمي. حبي ياخي حبي السودان دا ماله. حبيه ياخي. حبي السودان.. في أجمل منه؟!
ـ هوووي يا ود الناس هوي. افتح عينك. أنا ما بحب السودان؟! السودان ماله؟ السودان دا عمل ليكم شنو كلكم قايمين عليه؟!
ـ يعني بتحبيه؟
ـ كيفن مابحبي؟! في أجمل منه؟
ـ الحمد لله. والله دا أجمل كلام أسمعه. خلاص يلا زغردي.
ـ أيو.. يو يوووووي.
ـ خلاص يلا مع السلامة.
ـ مع السلامة.

القوني
21-02-2011, 11:00 AM
(816)
دجاجاتها أربع، والديوك ثلاثة.
لا تتعجب ولا تظنها غبيةً إن سألتها وقالت لك عشرة.
فهي تقصد الضرائب.

القوني
21-02-2011, 11:03 AM
(815)
نشبَ الحريقُ في البيت.
والبيتُ قطية، أمامها راكوبة، تعلوهما شجرة لالوب.
رجلُ المطافيء المرابطُ في أعلى برج المراقبةِ رأى الحريق فابلغ رئيسه.
ـ حريق يا ريس. أرى حريقاً في حارة نزريت.
ـ انتظر لحظة. دعني أتناول الإفطار.
بعد نصف ساعة أكمل الرئيس الإفطار وشرب الشاي.
فسأله: تأكد من الخزان. هل هو مملوء؟
ـ الخزان فارغ تماماً. لا توجد فيه قطرة ماء يا ريس.
ـ إذاً اذهبوا إلى الصهريج واملأوه.
بعد نصف ساعة عادوا والخزان ممتليء.
ـ أين بقية الطاقم؟
ـ هم في السوق.
ـ اتصل بهم ليعودوا.
بعد نصف ساعة عادوا.
الآن الخزان ممتليء، والطاقم مستعد، وكل شيء على ما يرام. يمكنهم إطفاء أي حريقٍ في غضون لحظات.
ولكن ما الفائدة من التوجه إلى مكان الحريق حيث القطية، وأمامها الراكوبة، تعلوها شجرة لالوب.
بعد التاسع من يناير.

القوني
21-02-2011, 11:09 AM
(814)
كلنا ركضنا مبتعدين إلا عبد السلام. ولم نتعجب لأننا نعرف السبب.
نكون أكثر اطمئناناً عندما يكون معنا في المراعي, لذا نحرص دائماً على وجوده معنا ولا نكلفه بالكثير.
فنخن من نحلب الأغنام، ونحن من نعيدها إن ابتعدت، ونأتيه بثمار القضيم والدوم، ويكون له نصيب الأسد من العقش، والفايو، والدليب، وله الغصن الوثير إن تسلقنا أشجار العرديب والجميز.
قبل يومين عندما لدغت الحية خالتنا فاطمة بينما كانت تعمل في مزرعتها عند سفح الجبل، لحقت بنا في المرعى تبحث عنه وكانت مطمئنة لا يبدو عليها الذعر.
وهو لم يكلف نفسه أكثر من القليل من اللعاب، وأخرج الأسنان ونحن ننظر متعجبين.
وعندما تجمعنا في الساحة وسط القرية مساءً للعب الشليل، جاءتنا وهي تحمل طبق الفول وكانت على أحسن حال.
نسأل الكبار عن السبب فنتلقى نفس الإجابة دائماً.
ـ جده ثعبان.
ـ كيف؟
ـ لا ندري.
كل ما جاءت مناسبة، أو حتى بلا مناسبة نسألهم.
ـ جده ثعبان.
ـ كيف؟
ـ لا ندري.
وهو ما دعانا إلى الانتساب إلى الأشياء من حولنا. وهكذا فعل الكبلر قبلنا عندما كانوا صغاراً.
صاحبنا عبد الله نسب نفسه إلى الغزال لأنه معجبٌ بالغزال. لم يطاردها معنا يوماً، ويغضب إن لاحقتاها.
ومحمود مغرمٌ بصغار الأفيال فانتسب إليها.
ومحمد نسب نفسه للأسد لأنه يخافه.
وعبد الرحمن نسب نفسه للعصافير لأنها تطير، وهو يحب أن يطير.
ونمازح عثمان لنحافته وننسبه للبعوض.
ولأن آدم يسبقنا في السباحة فلم نجد له غير السمكة.
وهرون ابن الأرنب لطول أذنيه.
لكلٍ منا جدٌ يتمناه، أو يخشاه، أو يرضاه، وينتسب إليه، ولكل شيءٍ من أشيائنا أبناء إليه ينتسبون إلا حكومتنا. لا أحد يكره جده.
نحن نخاف، نتمنى، نحب، ولكن لا مكان للكراهية في قريتنا.

القوني
22-02-2011, 08:06 PM
(49)
لم تنظرْ إليها إلا كما نظرتْ إليها. باحتقار.
قالتْ في نفسها وهي تنظرُ إليها في ازدراء: لولاكم أيها اللصوصُ السفلة، يا من تخزنون علينا الحبوب، وتهربون الأموال، وترفعون الأسعار، وتثقلون كاهلنا بالضرائب والرسوم، وتمتصون دماءنا لتركبوا السياراتِ الفارهة، وتسكنون القصورَ الفخمة، وتثيرون الفتنَ بيننا، وتجلبون لنا المشاكل، وكأن البلادَ بلادُ أبيكم، لولاكم لكان حالنا أفضل. اصبروا، لكم يوم.
وقالتْ الأخرى وهي تنظرُ إليها في نعالٍ: لولاكم أيها الحفاةُ، العراةُ، الفقراء، بأرجلكم المفلطحةِ هذه التي تخرجُ أظلافها من بين النعال، وثيابكم الرثة، وأجسادكم الهزيلةِ وكأنها هياكلُ عظمية، لولاكم لكنا بريطانيين، أو فرنسيين، أو أمريكان.
انظري إلى حالك أيتها "الغبشاء المفعوصة."
ومضتا كلٌ في طريق. ولكن دونَ شجار.

القوني
23-02-2011, 11:02 AM
(810)
ـ متى يكون الرجلُ ذا وجهين؟!
ـ عندما يكون الوجهُ الآخر أيضاً قفاه.

القوني
23-02-2011, 11:12 AM
(808)
ـ وكيف عرفتَ أنها تحبك، وأنها خطبتك من أختك؟
ـ إنه تقليدٌ وعرفٌ متبعٌ لدينا ونحن نحترم هذه التقاليد.
فعندما تكون البنتُ طفلةً تحلفُ باسم أبيها: "وحاة اسم محمد أبوي" هذا الشيء كذا وكذا.
وإن كان لها أخٌ تحبه حلفت باسمه: "وحاة اسم عبد الله أخوي" هذا الموضوع كذا وكذا.
وعندما تحبُ فهي تحلفُ باسم حبيبها.
ـ وهل سمعتها بنفسك وهي تحلفُ باسمك؟
ـ نعم سمعتها وهي تحلفُ لأختي: "وحاة خالد حبيبي لا يوجد أجمل من الحب"
ـ وهل وافقتْ أختك؟
ـ لا أدري. ليتها توافق.

القوني
24-02-2011, 10:40 AM
(806)
ـ واليوم داك مشينا من الصباح مع أبوي للصيد. وأول غزالة لقيناها..
ـ إنتً ومنو؟
ـ منو دا؟.. أنا؟! أنا كنتَ بقول ليكم شنو؟
ـ كنت بتكلمنا عن بورتسودان.
ـ أيوااا.. ذكرتني. وبعدين بورتسودان مشيناها في رحلة مدرسية ونزلنا في المدرسة الثانوية. الوقت داك المينا دا كان..
ـ مدرسة شنو؟
ـ مدرسة؟ مدرسة منو؟. أنا كنت بقول ليكم في شنو؟
ـ كنت بتكلمنا عن كبري الجور.
ـ عارف؟. كبري الجور دا جنب استراحة البلدية والمحافظة. ووقت بنوه أنا كنت مدرس في أويل. بعدين..
ـ مدرس وين؟
ـ مدرس منو؟ منو المدرس؟ أنا كنت بقول ليكم شنو؟
ـ كنت بتكلمنا عن باخرة حلفا.
ـ أهااا في الليلة ديك كانت القمره بيضاء والجو جميل. والناس كلهم طلعوا السطوح. وبدينا نغني.
ـ بتغنوا شنو؟
ـ نغني؟ بغني ليه؟ أنا كنت بقول ليكم شنو؟
* * *
اعذروا أهل السودان هذه الأيام. فهم مشغولون بأمر الوحدة.
ما عدا الحكومة، والمعارضة، والمتمردين.

القوني
24-02-2011, 10:45 AM
(805)
هي بنتُ الحارة. وهو يضعُ كل بناتِ الحارةِ في قلبه من هنا. أما هي فلها موضعٌ خاصٌ في قلبه من هناك.
عندما دلفَ إلى الشارع عصراً في طريقه إلى الساحةِ وسطََ الحارةِ حيثُ يلعبون الكرةَ كل يوم، بدا في الطرفِ الآخر سربٌ من الحمامِ تتوسطهم ملكةٌ في طريقه لتهنئة صديقةٍٍ نجحت.
تهيبَ الموقف وحاول العودة.
قال في نفسه: عيب.. تخاف الحمام؟
فتقدم وهو يلتزم أقصى اليسار.
قال في نفسه: عيب.. تخاف الحمام؟
فتوسط الشارع وكان مستكيناً.
قال في نفسه: عيب.. تخاف الحمام؟
فتهادى في خيلاء يكاد الشارع الفسيح لا يسعه.
كن يتهادين في منتصفِ الطريقِ متحاذيات. وعندما دنا منهن تهامسن وملن نحو اليسار.
وفجأةً انسلتْ من بينهن وتجاوزته من اليمين.
ـ أحسنت. جعلتهن كالعصافير.
هكذا حدثِ نفسه في غرور.
وبعد أن تجاوزنه التفتْ فوجدهن يضحكن ويتغامزن وهي تبتسم.
وعندما عادَ إلى البيتِ عند المغيبِ بادرته أخته: لم أكن أعلم أن أخي سازجٌ إلى هذا الدرجة.. مسكين. تيمتك هالة.
عندها فقط أدرك أنه وقعَ في الفخِ وكان صيداً سهلاً لسربِ الحمام.
فما حدثَ أن هالة تيمته.

القوني
25-02-2011, 03:44 PM
(802)
ولأنه يحبها، عاد صباح اليوم التالي وتزوجها وعاشا في ثبات ونبات، وخلفا صبيان وبنات.
من متى وأنا أكتبُ عن الحب؟
فتحتْ له الباب. هي نفسها فتحتْ له الباب.
بعينيها الناعستين وبسمتها الساحرةِ فتحتْ له الباب.
ببراءتها الريفيةِ وجرأتها القرويةِ فتحتْ له الباب.
ببيتهم الكائن جوار المدرسة، بجنينهم المطلةِ على الوادي فتحتْ له الباب.
بحزنها الدفينِِ على فقدِ أبيها وأمها وإخوتها فتحتْ له بابَ بيتِ القوادةِ حنان.
لم يصدقْ نفسه. نظرَ إليها في ذهولٍ وغادرَ دونَ كلام.
ولأنه يحبها، عاد صباح اليوم التالي وتزوجها وعاشا في ثبات ونبات، وخلفا صبيان وبنات.

القوني
25-02-2011, 04:03 PM
(800)
لا تصدقها أبداً إن قالتْ لك أن هذا اسمها. فأبوها سماها أشول. ولكنها في كل عامٍ تتنكرْ وتغيرْ اسمها وتنتقلُ إلى مكانٍ جديد.
ـ أين كانتْ قبل عامين؟!
ـ قبل عامين كانتْ في السوق الشعبي في العاصمة القومية الخرطوم. ضايقها مسئولو الضرائب، والزكاة، والرسوم، وعجزتْ عن تسديدِ ما عليها. فتنكرتْ وغيرتْ اسمها وانتقلتْ إلى الرنك حتى لا يطالبوها بما عليها من العام السابق.
ـ وأين كانتْ قبل عام؟!
ـ قبل عام كانتْ في أبيي. ضايقها مسئولو الكهرباء والمياه وعجزتْ عن تسديدِ ما عليها فتنكرتْ وغيرتْ اسمها وانتقلتْ جنوباً حتى لا يطالبوها بما عليها من العام السابق.
ـ وماذا حدث هذا العام؟!
هذا العام تكالبَ عليها مسئولو الضرائب، والزكاة، والرسوم، والكهرباء، والمياه. فتنكرتْ وغيرتْ اسمها وانتقلتْ جنوباً إلى جوبا حتى لا يطالبوها بما عليها من رسوم العام السابق.
يا عزيزي، لا تصدقها أبداً إن قالتْ لك أن اسمها جمهورية جنوب السودان. فأبونا سماها أشول. ولكنهم يضايقونها فتتنكر وتغير اسمها وتنتقل جنوباً حتى وصلتْ إلى جوبا وأسمتْ نفسها جمهورية جنوب السودان.

القوني
25-02-2011, 04:53 PM
(801)
ـ أمضى طيلةَ هذه الفترة هكذا؟!
ـ نعم أمضى طيلةَ هذه الفترة هكذا.
ـ لا تغير، لا تبدل، لا تحول؟!
ـ نعم.. لا تغير، لا تبدل، لا تحول.
ـ لا تعب، لا يئس، لا استسلم؟!
ـ نعم.. لا تعب، لا يئس، لا استسلم.
ـ لا تنازل، لا باع، لا رهن؟!
ـ نعم.. أمضى الشعبُ السوداني طيلةَ فترةِ التقسيمِ هكذا إلى أن عادتْ الوحدة.
ـ سبحان الله. يا له من شعبٍ عظيم.
ـ عيب عليك يا راجل. هذا شعب معلم.

القوني
25-02-2011, 08:42 PM
(796)
ـ كنتَ تحبُ صيدَ الغزلان. لم توقفتَ عنه؟!
ـ الحكاية طويلة..
في مرةٍ خرجنا أنا وعبد الله لصيدِ الغزلان ليلاً. وعند منحنى الوادي جوار جنينة عمك عبد المحمود وجدنا غزالة عرجاء ضخمة تقف وحدها وتتلفت وكأنها تنتظر شيئاً ما. اقتربنا منها دون أن تشعر بنا ثم أطلقنا عليها النار. فسمعناها تصرخُ وكأنها رجل. ركضنا نحوها وقبل أن نمسك بها تحولتْ إلى رجلٍ واختفت.
ـ اختفت!!! أين ذهبت؟!!
ـ القصر الجمهوري.
ـ يا أخي حرام عليك. أخفتني. رجاءً لا تمازحني بهذه الطريقة.

القوني
26-02-2011, 10:08 AM
(799)
ـ لماذا منع الإنجليز الخمور البلدية واستوردوا الأفرنجية من بريطانيا؟!
ـ لأسبابٍ تجاريةٍ بحتةٍ تتعلقُ بالاحتكار.
ـ ولماذا منع المايويون الخمور البلدية والأفرنجية؟!
ـ لأسبابٍ تجاريةٍ بحتةٍ أيضاً تتعلقُ برفع الأسعار.
ـ ولماذا منع هؤلاء الخمور البلدية والأفرنجية وجلدوا الناس؟!
ـ للسببين معاً.. فالأسباب دائماً تجارية بحتة.

القوني
26-02-2011, 12:11 PM
(798)
مُبالغ: سلامات يا خوانا سلامات.. حصل خير.. ما في حاجة.
ـ كيف ما في حاجة؟ دا كسر الأستوب، والرفرف، والمرايا. وتقول لي ما في حاجة؟
ـ وكمان بتتكلم؟! يعني إنتَ ما شايف العملته؟ الباب والزينة دي ما شايفها؟
المُبالغ: سلامات يا خوانا سلامات.. حصل خير.. ما في حاجة. والله لو شفتوا الحادث الحصل اليوم تحت الكبري تحمدوا الله على السلامة.
تاكسي ماتوا فيه 41 من الركاب غير المجرحين. والحافلة ماتوا فيها 92 من الركاب غير المصابين. سلامات يا خوانا سلامات.. قولوا الحمد لله جات سليمة. ما في حاجة.
ـ خلاص يا خي عادي ما عليك.. أنا آسف.
ـ ولا يهمك يا سيدي. بسيطة.. أنا آسف.
* * *
القتلى من ركاب التاكسي 41 غير الجرحى، وقتلى الحافلة 92 غير المصابين. أي تاكسي هذا وأية حافلة؟!!
ولكن المبالغات تفيدُ أحياناً على الأقل في هذه الحالة. فقد حلتْ المشكلة.
من لنا بمبالغٍ عاقلٍ يخبرُ حكومتنا قليلةَ العقلِ هذه، أن أمريكا غزتْ أربعمائة دولة صباح اليوم، وقسمتْ ثلاثمائة البارحة؟

القوني
26-02-2011, 03:30 PM
(7)
بعد مسيرةِ ساعتين عبرَ هذا الطريقِ الترابي الضيق، المزدحم بالمتسولين والمجانين وبائعات الشاي، وصلَ الطلابَ إلى جامعةِ القطاطي والرواكيب، الخالية من الكتبِ والمراجع والمقاعد.
وبعد أن وصلَ الطلابُ إلى جامعةِ القطاطي والرواكيب، الخالية من الكتب والمراجع والمقاعد، عبر هذا الطريق الترابي الضيق، المزدحم بالمتسولين والمجانين وبائعات الشاي، بعد مسيرةِ ساعتين، عبر هذا الطريق الترابي الضيق، المزدحم بالمتسولين والمجانين وبائعات الشاي، إلى جامعة القطاطي الرواكيب، الخالية من الكتب والمراجع والمقا......
ـ يا جدي الجهاز علق.
ـ لا، لا.. لم يعلق. هم يكتبون قصصهم هكذا.

القوني
27-02-2011, 10:18 AM
(795)
أعملُ مدرساً في سوبا، وأقيم في الدروشاب. لم يكن معي اليوم ما يكفي للباصات والحافلات قذهبت سيراً على الأقدام.
في المحطة الوسطى وجوار المسجد الكبير وجدته يبيع الماء البارد للمارة. وبعد أن سقاني سألته: لم تركت المدرسة يا محمد أحمد؟
قال: تركت المدرسة لأن الطلاب يقتلون الناس.
ـ الطلاب يقتلون الناس؟
ـ نعم. الطلاب يدخلون الدفاع الشعبي، والدفاع الشعبي يقتل الناس.
ـ وماذا تريد أن تكون؟
ـ أريد أن أكون عسكري.
ـ لمَ؟!
ـ لأن العسكر يجلسون في الخرطوم، يأكلون اللحمة، ويشربون البيبسي، ويغنون، ويشاهدون التلفزيون.
ـ من قال لك هذا الكلام؟
ـ أنت يا أستاذ. أنت قلت لنا إن رأيت العسكر يغنون والطلاب يحاربون، فهذا يعني أن أوان التقسيم في بلدك قد آن أوانه.
ـ أنا؟!! أنا قلت هذا يعني أن التقسيم في بلدك قد بدأ.. وهل آن أوان التقسيم؟
ـ أين أنت يا أستاذ؟! التقسيم بدأ من زمان.

القوني
27-02-2011, 10:49 AM
(797)
قبل أن يتحسن الحال ويفتح الله عليه وينتقل لهذا الحي الراقي، كان يسكن في حي "زندية".
جاره السابق في الحي القديم يزوره هنا من وقتٍ لآخر. وكلما زاره نصب عليه وأعطاه بعضَ المال مدعياً أنه مدينٌ له.
بل وصلتْ به الوقاحةُ إلى أبعد من ذلك. فأحياناً يناول جاره المال قائلاً: يا خوي ناس الزمن دا ما منهم أمان، والعمر ما معروف. وقع لي هنا.
ـ ومنو القال ليك أنا عايز قروش؟
ـ علي الطلاق تاخدها. هو الدين عيب يا خي؟ بس وقع لي هنا.
وما أن ينصرف جاره حتى يمزق الورقة.
وهكذا استمرتْ العلاقةُ والمعاملةُ بينهما إلى أن تبنتْ حكومتنا سياسةً جديدةً خاصمتْ بمقتضاها كل جيراننا، ومنعتْ حسنَ الجوارِ بالداخل، بكل أنواعه، حتى قديم منه.

القوني
27-02-2011, 12:19 PM
(794)
ـ معقول يا جدي وصلَ أسلافنا إلى هذا الحدِ من الانحطاط؟!
ـ بل أكثر بكثير. فقد قرأتُ في إحدى وثائقهم القديمةِ في المتحف، أنهم عقدوا مؤتمراً لمناقشة حقوق غير المسلمين.
ـ هل أنت متأكد يا جدي، أنك قرأتَ هذه الوثيقة؟
ـ نعم متأكد. أنا نفسي لم أصدق. ولكنها الحقيقة.
ـ معقول يا جدي وصل أسلافنا إلى هذا الحدِ من الانحطاط؟!
ـ قلتُ لك أنني قرأتُ الوثثيقةَ بنفسي. لمَ لا تصدقني؟
ـ هل أنت متأكد يا جدي، أنك قرأتَ هذه الوثيقة؟!

القوني
27-02-2011, 04:36 PM
(793)
رأينا عبد الرحمن وهو يعاكس فتاةً في الشارع العام.
قلنا: أنت يا عبد الرحمن قليل حياء، ولستَ ابن ناس.
قال: هااا.. هكذا.. أنا قليل حياء ولستُ ابن ناس. ومنحرف أيضاً. وهذه مني لكم. ألستم أصدقائي؟
ولكن ما قولكم فيمن يجلدون البنات في المحاكم؟
ـ قلنا: اسكت يا عبد الرحمن.
قال: أنا قليل حياء، ولستُ ابن ناس. ولص أيضاً. وهذه لكم مني. ألستم أصدقائي؟
ولكن ما قولكم فيمن يقولون "الفي جيب أخوي في جيبي، والفي جيبكم في جيبنا، ويهربون الزكاة إلى ماليزيا؟!
ـ قلنا: يا عبد الرحمن اسكت.
قال: أنا قليل حياء، ولست ابن ناس. وإنفصالي أيضاً. وهذه لكم مني. ألستم أصدقائي؟
ولكن ما قولكم فيمن فتتوا الوطن؟
قلنا: اسكت يا عبد الرحمن. يا عبد الرحمن اسكت.
قال: أنا قليل حياء، ولستُ ابن ناس. وأجاهر بالمعاصي أيضاً. وهذه لكم مني. ألستم أصدقائي؟
ولكن ما قولكم فيمن يرقصون نهاراً على المنابر، ويجلسون ليلاً على البنابر؟
قلنا: عيب يا عبد الرحمن. يا خي احترم نفسك. اللهم اشهد على عبد الرحمن.

القوني
28-02-2011, 10:02 AM
(791)
ـ لو كنتَ الرئيس. ماذا ستفعل؟
ـ سأرشح نفسي للرئاسة، وأزور الانتخابات.
ـ ثم ماذا؟!
ـ ثم أعين نفسي وزيراً بلا وزارة.
* * *
من كتاب طرائف أهل السودان.

القوني
28-02-2011, 11:27 AM
(790)
عدتُ إلى القريةِ من المدينةِ في عطلةِ عيدٍ وفي المساء زارني بعض الأصدقاء العاملين في مختلف المدن بالولايةِ وجلسنا للسمر، وكانت جدتي تجلسُ بجوارنا.
قلت لهم: تخيلوا أن مدرسة نيالا وبقدرة قادر تحولت إلى جامعة!!
قالت جدتي: مسكينة والله. الله يعينها.
قال محاسبٌ من الفاشر: تخيلوا أن المحافظة تحولت إلى حكومة!!
قالت جدتي: والله مسكينة. الله يلطف بها.
قال قادمٌ من زالنجي: تخيلوا أن طريق الإسفلت لم يعدْ له وجود!!
قالت جدتي: مسكين والله.. الله يكفيه شر أولاد الحرام.
وبعد أن تعشينا وغادر الأصدقاء، جلستُ بجوارها لأسألها كيف عرفت أن الجامعة مؤنثة، والمحافظة مؤنثة، والطريق مذكر.
ولكنها ناولتني سنيلةً مشويةً، وقليلاً من العسل.
فنسيت.

القوني
28-02-2011, 03:14 PM
(789)
دخلتُ الفصل، حييتُ التلاميذ، كتبتُ التاريخ.
جرذانٌ حذرةٌ تطلُّ بأنوفها من الجحرِ ولا تخرج.
تلك كلماتي والشفاه.
دنوتُ من نافذةِ الجنوبِ ونظرتُ إلى البعيد.. لا أرى غير الحدود.
الشمال حروب، الموت جوعاً، وللسادة الركوع.
عدتُ إلى السبورة مسحتُ التاريخ وخرجت.
بالله عليك، كيف أدرس حصة تاريخٍ دون أن ألعن من فتتوا الوطن، أو أدعو عليهم "اللهم أدخلهم النار"؟!!

القوني
28-02-2011, 06:29 PM
(788)
في كل مرةٍ نأتي إلى هنا نجدُ هذه العجوز تجلسُ في نفسِ المكان، وفي يدها نفس الغربال، تنظر إلينا نفس النظرة بعينيها الغائرتين.
عندما نحييها لا ترد التحية. وما أن نتجاوزها حتى تشير إلى هذا الشاب الذي يرعى نفس الأغنام، في نفس المكان دائماً، أن أقتلهم.
فيردُ عليها دائماً: ما ذنب المساكين!!
ثم يصطحبنا إلى زعيمهم الذي يكرمنا بالطعام والشراب، ونرافقه في جولةٍ داخلَ المدينةِ نشاهدُ خلالها البناياتِ الشاهقة، والأسواق المزدحمة، والناس يجلسون على الحدائق، والأنهار تنساب بينما تتحلق من حولها أسراب الأوز والبط.
كلما أتينا إلى هنا نسأله نفس السؤال: ما السر في بقائكم هنا؟!
وفي كل مرةٍ يرد علينا بنفس الإجابة: لأجدادنا الأولين رؤيا ونبوءةٌ بأن هذه البلادَ سيسلطُ الله عليها حاكماً ظالماً باطشاً، ينزع سراويل الناس ويجوعهم، ويقسم عليهم البلاد. وتركوا لنا وصيةً نتوارثها أباً عن جدٍ ينصحوننا فيها بعدمِ الخروجِ من هنا إلا بعد انتهاءِ هذه المحنةِ وعودةِ الوحدة.
هكذا يدورُ الحديثُ بيننا وبينه كل مرة.
ثم يرافقنا بعدَ العشاءِ وهو يمتطي شيئاً أشبه بالجمل، ومعه أعوانه وهم يمتطون أشياءَ أشبه بالخيول.
ولا يفارقوننا إلا بعدَ أن نخرج من مدينتهم عبر حفرة "أبو انضلاف"

القوني
28-02-2011, 07:02 PM
(787)
ـ تحب القطة أم أمك؟
ـ أحب أمي.
ـ تحب أمك أم القطة؟
ـ أحب القطة.
ـ نحب القطة أم أمك؟
ـ أحب أمي.
هكذا حال الأطفال الرضع، يختارون دائماً الاسم الأخير.
من لنا بملقنٍ فطنٍ لحكومتنا الرضيعة هذه، تبدأ جمله كلها بأمريكا وتنتهي بالسودان؟!

القوني
28-02-2011, 07:07 PM
(786)
زارني أحد الأصدقاءِ الأشقاء في البيت مساءً وكنتُ أتعشى.
قلتُ له: تفضل.
وما أن وضعَ اللقمةَ الأولى من العصيدة في فمه حتى سمعته يصيح: أوب، أوب.. الحق، الحق يا سوداني.. أين ذهبت؟!
نسي حتى اسمي. وبدأ يبحثُ عنها داخل السروال.
قلت له: لا عليك يا عزيزي. هون عليك. هي الويكة. زلقتها الويكة. دعك منها وكل من هنا.
وما أن وضع العظمةَ الأولى من الكوارع في فمه حتى سمعته يصيح: أوب، أوب. الحق يا سوداني. الحق. رفستني.
نسي حتى اسمي. ورماها من الشباك.
قلت: لا عليك يا عزيزي، هون عليك. هي مذبوحةٌ من الفجر، ومن الصبح في النار. دعك منها. اغسل يديك واشرب الشاي.
قام، غسل يديه، وجلس لشرب الشاي.
وما أن رشفَ الرشفةَ الأولى من الشاي حتى سمعته يصيح: أوب، أوب. يا سوداني الحق. السكر، السكر.
نسي حتى اسمي. وسكب الشاي على السجاد.
قلت: لا عليك يا عزيزي. هون عليك. فحكوماتنا تصيبك بالسكر آجلاً أم عاجلاً. لذا فنحن نسارع بأخذ نصيبنا منه قبل فوات الأوان.

القوني
01-03-2011, 10:34 AM
(785)
ـ ولمَ كانوا يأتون بالمعلمين من الخارج يا جدي؟
ـ ليس كلهم. فقط أساتذة الجغرافيا.
ـ ولمَ أساتذة الجغرافيا بالذات؟!
ـ لأن المعلمين السودانيين انضموا إلى تنظيم "وحدويون بلا حدود" ورفضوا تدريس خارطتهم الجديدة.

القوني
01-03-2011, 11:07 AM
(782)
ـ كل الحارة يا جدي؟!
ـ نعم كل الحارة في الساحة. من يلعب يلعب، ومن لا يلعب يتفرج. ثم عدتُ إلى البيت بعد المغيب.
بعد الاستحمام والليمون لبستُ القميص الثالث وخرجت.
ـ القميص الثالث يا جدي؟!
ـ نعم الثالث. الأول وجدت المكوة مكسورة في اللياقة فرميته، والثاني لم يعجبني اللون فرميته أيضاً. ثم تعطرت، وغشيت جدك المرحوم إبراهيم، وذهبنا إلى السوق الكبير.
ـ ذهبتم بالباص يا جدي؟
ـ لا، لا.. لم نكن نعرف الباصات. ذهبنا سيراً على الأقدام.
في السوق جلسنا في الحلواني وانضم إلينا بعض الأصدقاء القادمين من أحياء أخرى. تناولنا الباسطة والحليب، ثم إلى المكتبة حيث كنا نتوقع وصول بعض الكتب الجديدة التي حجزناها قبل مدة. فقد كنا نحرص على قراءة نزار قبل بيروت.
ثم نتجول في المحال لشراء الأقمشة الجديدة، بعدها إلى دكان صديقنا محمود الترزي ونجلس عنده إلى أن يحين موعد الدور الثاني في السينما.
ـ الترزي؟! لمَ لا تشترون الملابس الجاهزة؟
ـ نحن؟ نحن نلبس الملابس الجاهزة؟ عيب يا ولد عيب. الناس تقول علينا شنو؟!
ثم ندخل الدور الثاني في السينما.
ـ لمَ لا تدخلون الدور الأول يا جدي؟!
ـ لا، لا.. الدور الأول للشماشة.
ـ الشماشة؟!! من الشماشة يا جدي؟
ـ الشماشة هم الذين يتعشون عند السادسة، ويدخلون الدور الأول، وينامون عند العاشرة، ويستيقظون بعد السادسة، ويلبسون الملابس الجاهزة، ويذهبون لاستقبال الرؤساء، ولا يصلون الفجر حاضر في المسجد.
ـ هل نحن شماشة يا جدي؟
ـ أنتم؟!! لا، لا.. كان شماشتنا يقرءون ويكتبون، ويأكلون اللحم.
ثم بعد ذلك نتعشى.
ـ ماذا كنتم تتعشون يا جدي؟
ـ في العادة يكون العشاء خفيف. كوارع، نيفة، شية، فول، كبدة. أشياء من هذا القبيل. ثم نعود البيوت للنوم.
ـ وهل كنتم تحلمون يا جدي؟
ـ نعم كنا نحلم.
ـ بماذا كنتم تحلمون يا جدي؟
ـ كنا نحلم بالسودان الجديد.
ـ هل تحلمون بالـ.... جدي، يا جدي، جدي..
نام الجد. وليته لم ينم، وحدثنا عن الزمنِ الجميل.

القوني
01-03-2011, 03:57 PM
(781)
كلما توقفَ القطارُ في أي محطةٍ جاءَ إلى هنا ووقفَ قبالة هذه النافذة بالدرجة الأولى ، واشترى الفول، والعنكوليب، والتبش، واللوبيا.
وهو لا يأتي لذلك. هذه مجرد حيلة. هو يأتي للنظر إلى هذه التي تطل من هذه النافذة في كل محطة.
وكلما توقفَ القطارُ في أي محطةٍ تطلُ هي من هذه النافذة بالدرجة الأولى، وتشترى الفول، والعنكوليب، والتبش، واللوبيا.
وهي لا تطلُ لذلك. هذه مجرد حيلة. فهي تطل للنظر إلى هذا الذي يقف قبالة هذه النافذة في كل محطة.
في مرةٍ قالت له: يا ابن العم، اشتر لي معك.
وحاولتْ أن تناوله بعض النقود. اشترى لها ورفض النقود.
ولأن القصة قصيرة، افترقا عند محطة نيالا وهي المحطة الأخيرة.
في اليوم التالي ذهب لزيارة صديقه عبد الله ابن جارهم محمود.
وبعد أن سلم عليه دخل للسلام على أمه وبناتها فوجدها هناك. وكانت تحدثُ بنت خالتها عن الشاب الذي قابلته في القطار ولم تخبرها باسمه لأن القصة قصيرة.
باختصار ذهب إلى ملكال بعد شهرين وخطبها، ولأن القصة قصيرة لم يطالبوه بمبلغ كبير من المال.
من متى وأنا أكتبُ عن الحب؟
قبل أن يتم الزواج فصلوا الجنوب، ولم يلتقيا بعد ذلك.

القوني
01-03-2011, 04:54 PM
(7)
هوايته مراقبةُ الناسِ والكتابةُ عنهم.
أخلاقهم، سلوكهم، وقوفهم، سيرهم، جلوسهم، أكلهم، شربهم، كلامهم، صمتهم، أشكالهم، أطوالهم، ألوانهم، أحجامهم، غضبهم، فرحهم. لا يترك شيئاً.
خرج من البيتِ ووقفَ في ركنِ الشارع يراقبُ الناسَ ويكتب:
هذه المرأةُ الشابةُ منكوشةُ الشعرِ يبدو أنها غير مستقرةٍ في بيتها.
وهذا الرجلُ الذي يحملُ الأطباقَ يبدو عليه الأعياء. ربما يعمل في منجم.
وهاتان الفتاتان إحداهما تتحدثُ بصوت ٍ مرتفعٍ والأخرى بصوتٍ خفيض. لا تصلحان أن تكونا صديقتين.
وهذه العجوزُ لونها الشاحبُ لا يعجبني.
وهذا الشابُ لا يحسنُ اختيارَ الملابس.
وهذا الذي يمتطي السيارة الفارهة لا شك أنه لص.
ومال هذا الرجل يتلفت حوله؟ يبدو أنه غريبٌ في المدينة.
وهذا البدينُ ودون أدنى شكٍ من الحزبِ الحاكمِ أو المقربين.
وهذا الذي يقفُ على قدمٍ واحدةٍ ليتهم قطعوا قدمه الأخرى.
دخل المقهى وجلسَ على طاولةٍ في الوسط. تأملَ الزبائن من حوله وبدأ يكتب:
الرجلُ الجالسُ في الركنِ ينظرُ إلي بفضولٍ زائدٍ يحاولُ أن يعرفَ ما أكتب. إنه يراقبُ كلَّ الناسِ ولكنه يراقبني بشكلٍ خاص. عندما أنظرُ إليه يلتفتُ وكأنه لا يراني. ملابسه أنيقةٌ والنظارةُ تناسبُ وجهه. يبدو عليه مرتبٌ في البيتِ ويحبُ زوجته. ماله يراقب الناس هكذا؟ كأنه لم يسمع بالمثل القائل، من راقبَ الناسَ مات هماً.
عندما عادَ إلى البيتِ وضعَ الدفترَ والقلمَ على الطاولةِ ونام.
أما الرجلُ الجالسُ في الركنِ فما أن عادَ إلى البيتِ حتى تناولَ الدفترَ والقلمَ من الطاولةِ وكتب:
اصطدتُ اليومَ صيداً ثميناً. رجلٌ غريبٌ.يراقبُ الناسَ ويكتبُ عنهم. ياله من يومٍ موفق.

القوني
02-03-2011, 11:09 AM
(780)
فصلوني على وطني بكيت، وجلستُ في البيت.
قبلَ أن أغتربَ جاءَ أهلُ قريتنا يشكون الحكام.
قالتْ النساء: سمعونا نحلفُ بآبائنا فكفرونا.
قال الرجال: لعناهم فاعتقلونا.
قال الشباب: سمعونا نغني فزجرونا.
قالت الشابات: رقصنا فجلدونا.
قال الجيران: رأونا ندخلُ بيوتَ الجيران كما ندخلُ بيوتنا فاتهمونا.
قال المزارعون: صادروا الذرة وخزنوها.
قال الرعاة: سرقوا المواشي وصدروها.
قال العسكر: سرّحونا.
قال العمال: فصلونا.
قال الطلاب: جهلونا.
قلتُ لهم: حكمُ هذا الزمانِ لا يعدله إلا الشرك بالله، أو تقسيم الوطن. قاطعوهم.
فقاطعوهم.
جعتُ فاغتربت. فاحتالوا عليهم وصالحوهم.
وقبل أن أعودَ بلغني النبأ.

القوني
02-03-2011, 11:51 AM
(779)
هوايته مراقبةُ الناسِ والكتابةُ عنهم.
أخلاقهم، سلوكهم، وقوفهم، سيرهم، جلوسهم، أكلهم، شربهم، كلامهم، صمتهم، أشكالهم، أطوالهم، ألوانهم، أحجامهم، غضبهم، فرحهم. لا يترك شيئاً.
خرج من البيتِ ووقفَ في ركنِ الشارع يراقبُ الناسَ ويكتب:
هذه المرأةُ الشابةُ منكوشةُ الشعرِ يبدو أنها غير مستقرةٍ في بيتها.
وهذا الرجلُ الذي يحملُ الأطباقَ يبدو عليه الأعياء. ربما يعمل في منجم.
وهاتان الفتاتان إحداهما تتحدثُ بصوت ٍ مرتفعٍ والأخرى بصوتٍ خفيض. لا تصلحان أن تكونا صديقتين.
وهذه العجوزُ لونها الشاحبُ لا يعجبني.
وهذا الشابُ لا يحسنُ اختيارَ الملابس.
وهذا الذي يمتطي السيارة الفارهة لا شك أنه لص.
ومال هذا الرجل يتلفت حوله؟ يبدو أنه غريبٌ في المدينة.
وهذا البدينُ ودون أدنى شكٍ من الحزبِ الحاكمِ أو المقربين.
وهذا الذي يقفُ على قدمٍ واحدةٍ ليتهم قطعوا قدمه الأخرى.
دخل المقهى وجلسَ على طاولةٍ في الوسط. تأملَ الزبائن من حوله وبدأ يكتب:
الرجلُ الجالسُ في الركنِ ينظرُ إلي بفضولٍ زائدٍ يحاولُ أن يعرفَ ما أكتب. إنه يراقبُ كلَّ الناسِ ولكنه يراقبني بشكلٍ خاص. عندما أنظرُ إليه يلتفتُ وكأنه لا يراني. ملابسه أنيقةٌ والنظارةُ تناسبُ وجهه. يبدو عليه مرتبٌ في البيتِ ويحبُ زوجته. ماله يراقب الناس هكذا؟ كأنه لم يسمع بالمثل القائل، من راقبَ الناسَ مات هماً.
عندما عادَ إلى البيتِ وضعَ الدفترَ والقلمَ على الطاولةِ ونام.
أما الرجلُ الجالسُ في الركنِ فما أن عادَ إلى البيتِ حتى تناولَ الدفترَ والقلمَ من الطاولةِ وكتب:
اصطدتُ اليومَ صيداً ثميناً. رجلٌ غريبٌ.يراقبُ الناسَ ويكتبُ عنهم. ياله من يومٍ موفق.

القوني
02-03-2011, 03:49 PM
(778)
سمعه الإسلاميون يتحدثُ في ندوة.
قال: الوطنُ فوقَ الجميع.
سأله الإسلاميون: حتى الإسلام؟
قال: حتى الإسلام السياسي، والتجاري، والآخر أيضاً. يكفي أم أزيد؟
فأفحمهم. وتسللوا صامتين.
وعندما عدنا إلى البيتِ سألناه.
قلنا: لأولِ مرةٍ نراهم يطأطئون رؤوسهم كالشياه ويخرجون صامتين. ماذا فعلتَ لهم؟
قال: لأنهم يعلمون ما سأقول. فقد مدّنا التنظيمُ بملفاتٍ كاملةٍ تحوي كل ما يتعلق بأخلاقهم الفاسدةِ وسلوكهم المنحرف، وأصبح لدينا الآن كلمة سر نستخدمها معهم.
متى ما تطاولَ عليك إسلامي سله: يكفي أم أزيد؟
وسترى النتيجة.
سألناه: وكيف حصلتم على معلوماتِ هذا الملف؟! هل انضم بعضهم إلى التنظيمِ وأفشوا الأسرار؟
قال: لا، لا.. نحن لا نأمنهم، ولا نصدقهم، ولا نقبلهم في التنظيم أبداً. هذه المعلوماتُ جمعناها من زملائهم في الجامعاتِ والمعسكرات.
خرجنا من البيت، لإحضار فتةَ الفولِ الخاليةَ من الزيت. فرأينا أحدهم يدنو من بعيدٍ فسألناه: يكفي أم نزيد؟
فإذا به ينطُ الحيطةَ يكادُ ينسى كرشه.

القوني
02-03-2011, 04:43 PM
(777)
سأل الصغارُ أباهم.
قالوا: يا أبانا، قلتَ لنا أن السودانيين كانوا يغنون كثيراً. فمالهم لا يغنون هذه الأيام. لم نسمعهم أبداً يغنون. انظر إليهم يسيرونَ صامتين.
قال الأب: بعد خروج الإنجليز كانوا يحمدون الله في كلمةٍ واحدةٍ على رحيلهم، ويقضون باقي يومهم يغنون.
ثم يحمدونه في كلمتين بعد رحيل العسكر، ويقضون باقي يومهم يغنون.
ثم يحمدونه في ثلاثِ كلماتٍ بعد رحيلِ الأحزاب، ويقضون باقي يومهم يغنون.
ثم يحمدونه في أربعِ كلماتٍ بعد رحيلِ العسكر، ويقضون باقي يومهم يغنون.
ثم يحمدونه في خمسِ كلماتٍ بعد رحيلِ الأحزاب، ويقضون باقي يومهم يغنون.
واستمر الحالُ هكذا إلى أن باتوا يقضون يومهم كله في الرجاءِ والتضرع لله حتى لا يعودوا. هذا إن كفاهم.
وقتها كنا في طريقنا من معسكر اللاجئين إلى براميلِ القمامةِ في المدينةِ وقد انقضى نصف النهار ولا زلنا ندعو دعاء الفجر ونتضرع .
قلتُ في نفسي: صدقتم والله.
ثم أشرتُ لمن يسيرُ بقربي أسأله: وهم لمَ لا يدعون الله ويتضرعون مثلنا؟ أليسوا سودانيين؟!
فأشار بيده: ألا تراها سابحاتٍ طوالَ اليوم؟

القوني
02-03-2011, 06:40 PM
(776)
هو يسكنُ حي الوادي، وهي أيضاً تسكنُ حي الوادي قبلَ أن تسكنَ قلبه.
يوم رآها في مشتلِ الحكومةِ المطلِ على الوادي ويتوسط الجنائن في عصرِ ذلك اليوم الخريفي الجميل، بالكاد ميزّ بين أزهار الياسمين، وبينها، وبين أزهار الغاردينيا.
سأل الجنائني الذي كان يتوسطهم ويشرح: من أين أتيتم بهذه الوردة الجميلة؟
ـ غرسناها هنا في المشتل.
ـ ما اسمها؟
ـ جورية.
ـ كم عمرها؟
ـ شهران.
ـ ما أجمل عينيها!!
ـ من؟ الوردة؟!!
ـ وأين تسكن؟
ـ الوردة؟!!
فابتسمتْ، بينما كانتْ أمها تتأمله من رأسه إلى قدميه.
قالتْ الأم في نفسها لبنتها: حظك من السما.
ثم تواعدا على اللقاءِ هنا في مشتلِ الحكومةِ المطلِ على الوادي يتوسط الجنائن في عصر يوم خريفي جميلٍ بعد أن أخبرته باسمها دونَ علمِ الأم.
سألتْ الجنائني: هل معكم بذور زهرة السوسن؟
سألها الجنائني: ما السوسن؟
فقال له: سأحضره لك معي الجمعة القادمة.
وافترقوا على أملِ اللقاءِ في الأسبوع القادم.
من متى وأنا أكتب عن الحب؟!
أعلنوا ألا حقوقَ للجنوبيين في الشمالِ إن اختاروا الانفصال. فغادرتْ مع عائلتها على عجل.
في عصرِ يوم الجمعة الخريفي الجميل، كانت هي تستغل القطارَ من الغربِ إلى الجنوبِ عبرَ الشمال.
بينما كان هو ينتظرها في مشتلِ الحكومةِ المطلِ على الوادي ويتوسط الجنائن في ذلك العصر الخريفي الجميل.
ثم عادَ إلى البيتِ حزيناً بعد أن سألَ الجنائني: ما لها تأخرتْ سوسن؟!
فسأله بغباء كل المسئولين: ما السوسن؟

القوني
03-03-2011, 10:27 AM
(775)
ومضة:
ـ الحديقة في حاجةٍ إلى تنسيق. لمَ تأخرت؟
ـ بسبب المواصلات.
ـ هذه المرة الثانية هذا العام. اذهب أنت مفصول.
ـ أنا لستُ وزيراً عندك حتى تفصلني. أنا أعمل في الخدمة المدنية.
ـ أنا السيد الرئيس.
ـ وأنا السيد الجنائني.

القوني
03-03-2011, 11:12 AM
(772)
لا أتركُ جدتي تسيرُ خلفي أبداً. لا نسيرُ إلا متحاذيين.
وهو ما أغضبَ مني فقيهَ القريةِ وجعله يتهمني بالعلمانيةِ والكفرِ أيضاً، دونَ أن يتجرأَ على قولِ ذلك أمامي وإنما يصرحُ به في غيابي.
عندما كنتُ صغيراً كانتْ جدتي لا تسمحُ لي بالسيرِ خلفها أبداً. لا أسير إلا أمامها. حتى عندما نكون في طريقنا إلى المزرعة، أو البئر، وأتركها وألاحق الفراشات والعصافير فإنها تتسمر في مكانها لا تبرح حتى أعود وأقف أمامها ثم نبدأ المسير من جديد أنا أمامها وهي خلفي.
سألتها عدة مراتٍ ونحن نجلسُ للسمر عن السببِ وكانت تقول لي دائماً: الرجالُ قوامون على النساء.
مع أنني لستُ في حاجةٍ إلى التذكيرِ فالآية الكريمة حفظّها الفقيه لكل القريةِ عن ظهرِ قلب. بل تستخدمها القريةُ في أمثالها وتعليلِ الأشياءِ أيضاً.
فعندما تسأل إحدى الجدات مثلاً: لم تربين ديكاً واحداً وعشر دجاجات؟
فهي ستجيبك على الفور: لأن الرجالَ قوامون على النساء.
كثيراً ما حدثتني ونحن نسمر في المساء، عندما أسألها كيف تزوجتْ جدي مع أن جدي فقيرٌ وهي من أسرةٍ غنيةٍ تمتلك الأبقارَ والحميرَ والدجاج. فتخبرني دون تعالٍ بأنها هي التي دفعتْ المهرَ من ورثتها.
مرت الأيام وذهبتُ إلى مدينةٍ بعيدةٍ للدراسةِ وأقمتُ هناك في بيتِ عمي حتى أكملتُ الدراسةَ ثم عدتُ إلى لقرية.
ومن يوم أن عدتُ وأنا لا أتركُ جدتي تسيرُ خلفي أبداً. لا نسيرُ إلا متحاذيين.
وهو ما أغضبَ مني فقيه القريةِ وجعله يتهمني بالعلمانيةِ والكفرِ أيضاً، دونَ أن يتجرأَ على قولِ ذلك أمامي وإنما يصرحُ به في غيابي.
وذلك لأنني اكتشفتُ أنه أخفى نصفَ الحقيقة. فالآية الكريمة ليست الرجال قوامون على النساء. وإنما (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)
فأساس القوامة المال والعقل. لا نون النسوة ولا حماقات الرجال.

القوني
03-03-2011, 03:18 PM
(771)
ـ ألو.. منو؟
ـ أنا أبكر.
ـ إنتو قلة الأدب ومشاغلة بنات الناس في التلفونات دي ما بتخلوها يا متخلفين؟
ـ إنتِ زعلانة ليه؟ الموضوع بسيط. الرقم غلط وأنا آسف. بس حكاية قلة الأدب دي اسحبيها واعتذري. أما التخلف فأنا أصلاً من الأقاليم.
ـ أحرجتني ياخي والله. أنا آسفة. بعدين أنت من الأقاليم من وين؟
ـ أنا من الأبيض.
ـ الله.. ناس الأبيض ديل ناس الصمغ، والفول، والأبقار. وعندكم البان جديد، وغنى ليكم عثمان الشفيع.
ـ ياسلاااام. ما تذكرينا بالله بالبان جديد والرشاش، ورحلات الجمعة. إنت عارف! لو زرتي الأبيض في الخريف، وقعدتى على رمالنا البيضاء في المسا تحت القمرا. ما حترجعي الخرطوم تاني.
ـ والله أنا من زمان أتمنى أزور الأبيض. وبالمناسبة عندي خالي تاجر عندكم.
ـ اسمه منو؟
ـ اسمه عثمان.
ـ عثمان أبو ناس خالد وهبة؟
ـ آي ياهو زاته. إنت بتعرفه؟!
ـ كيف ما بعرف عمي عثمان؟ دا جارنا الحيطة بالحيطة. وبالمناسبة أنا خاطب بته التانية.
ـ التانية ياتا؟ وصال؟
ـ آي وصال. بس كيف هو خالك؟!! ديل من كورتي في الشمالية.
ـ ما أنا من كورتي. بس بقرا في الخرطوم.
ـ طيب ياخي أنت من كورتي في الشمالية وتقولي لي يا متخلف؟!
ـ ما خلاص يا خي اعتذرت ليك. أنا آسفة.
ـ وأنا برضو عندي عمي في شندي، وأتمنى والله أشوف القرير. أيه رأيك أعزمك تحضر زواجنا، وتعزمينا أنا ووصال لزيارة المتمة والقرير؟
ـ ما عندي مانع. أنا موافقة.
ـ بس بسرعة قبل ما يكون فيها جوازات وتأشيرات. وبالمناسبة أعملوا حسابكم على النيل. أنا سامع تحت تحت أنهم عارضنه للبيع.
ـ ولا يهمك. كله إلا النيل والوحدة.
ـ الظاهر عليك وحدوية؟
ـ على السكين. وعضو في التنظيم كمان.
ـ يا سلااام عليك. بت بلد أصيلة والله. طيب مع السلامة.
ـ مع السلامة. وأنا آسفة على الحصل.
ـ بسيطة يا ستي مع السلامة.

القوني
03-03-2011, 06:27 PM
(7)
عتمة:
ـ أريدُ أن أترشحَ للمرةِ الثالثة.
ـ الدستورُ لا يسمحُ بذلك سيدي الرئيس،
ـ غيروا الدستور.
ـ سيدي الرئيس الشعبُ لا يسمح.
ـ غيروا الشعب.