آخـــر الــمــواضــيــع

  • مواضيع مميزة
  • <-> لماذا يطلق علينا عضو و اعضاء ؟ <-> ( مـــافــــي أي عــوجــــة إلا أبـــــــــوك مـــات !.!!!!! <->
    صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
    النتائج 1 إلى 10 من 11

    الموضوع: عبدالعزيز أبو داؤود

    1. #1
      إذاعي الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالله
      تاريخ التسجيل
      Jun 2009
      الدولة
      المملكة العربية السعودية - جدة
      المشاركات
      234

      افتراضي عبدالعزيز أبو داؤود

      مولد زهرة الروض الظليل

      الاخوة الأعزاء أقدم لكم هذه الوريقات من كتاب للمرحوم الدكتور علي المك الذي كتبه عن أخيه وصديق عمره الفنان الراحل عبدالعزيز محمد داؤود عليهما رحمة الله تعالى والتي سوف أنقلها لكم على حلقات أتمنى أن تنال رضا واستحسان الجميع.


      ( 1)


      مساء السبت الرابع من أغسطس 1984 مات عبدالعزيز محمد داؤود كان بدأ رحلته في طريق الأبد مساء الجمعة ، وانطلق الموت يلهث إلى قلبه الكبير ، فصير القلب الكبير إلى لهاث وارتاح الموت حين أسكته، لم أصدق كل ما حصل ، وبعضه قد شهدت ، ولم أصدق في يوم الجمعة التي بدأت فيها رحلة الموت كنت مدعواً في بيت أحد الجيران ، والدعوة غداء والنهار حار ومضجر ، لا أعلم ، تباطأت شيئاً ، ولكني ذهبت على كل حال، وجدت خلقاً كثيرين، كان منهم أحد المغنيين، ودأبه كان تقليد أداء عبدالعزيز، ولكنه بون شاسع، قال يبدي تظرفاً امقت صنوفه (صاحبك صوته خف) قلت بحدة (صاحبي منو؟) قال (عبدالعزيز داؤود) قلت ساخراً (ما هو إنت موجود!) ضحك القوم ضحكاً كثيراً، تشاءمت ، أكلت في عجلة ، عدت للبيت وحدي كنت ، وفي التلفزيون وجدت ألواناً من مسابقات الأولمبياد في لوس انجلوس ، لم تفد حالتي كثيراً ، أعرف الاكتئاب النفسي يقيناً، كنت لا أعلم من أمره ، الاكتئاب كبير شيء ، ولكن الأزمنة الصعبة والتمرس بمقابلة المكاذبين يبدون أول أمرهم براءة أطفال، هد من صلابة النفس ونقائها كثيراً. عرفت الاكتئاب إذن يقيناً والجمعة 3 أغسطس كان يومه.
      وحين بدأت شمس النهار بالإخفاق أبصره حيث كنت في البرندة ، سمعت حركة أقدام ، ثمة من يصفق ، نهضت من موقعي فتحت الباب أمامي كان عثمان محمد داؤود ، أحييه في حماسة ثوان وتخال دهوراً لعله كان يود أن يختزل مجاملات التحية الطويلات ليقل لي شيئاً أهم كثيراً من مجاملات السلام. توقف السلام، قال (صاحبك جا من الأُبيض عيان جداً) تركت التلفزيون يحفل بالعدو والملاكمة والسباحة وانطلقت معه نبحث عن طبيب ، وعَدنا صديق طبيب أن يتبعنا ، ذهبنا إلى الخرطوم بحري ، ما أنكرنا حي الدناقلة ، كان بي حفياً منذ أن جعلته وطن الوجدان يكون في دار عبدالعزيز ، ذلك كان في أخريات الخمسين ، جسر مطمئن على الخور يفضي إلى زقاق فيه دار عبدالعزيز ، لا أعلم لماذا تفرست معالم الجسر الصغير في ذاك الموعد من ذاك اليوم و لأول مرة! فوقه حصى وعليه مع الحصى تراب وكان يضايق السيارة على حافتيّ الجسر تكون دائماً مجموعة صبيان أقدامهم تزيد ضيق الجسر ضيقاً تخال أحياناً أنَّ أقدامهم تدعو إطارات السيارات أن تدهسها ، تارةً ينهضون من مجالسهم برمين ، وأحياناً بذوقٍ حسن، في ذاك الموعد من ذاك اليوم لا صبيان ولا أقدام صبيان ، ليس هناك من شيء على الجسر إلا الحصى والتراب ، صرنا إلى البيت ، ثوان وتُخال دهوراً بعد الباب المضياف ، وجه عبدالعزيز كان جالساً على كرسي أسند ظهره على وسادات تعين على قليل من يحتاجها قلب متعب مجهد ، مرهف ، أنفاسه تجعل من جلابيته شراعاً تعبث به الريح وتنفخ فيه، لا تسعفه الأنفاس المبهورات، لم يتعود هذا الإنسان الرائع أن يصمت ، هش لي وبش ، وضعت اكتئابي بين يديه ، دأبي منذ أن عرفته ، يعرف ما يضايقني قبل أن أبوح به ، نظر إلىّ ، ضحك ضحكاً صافياً هزم به الأنفاس المبهورات قال: (إنت لسع محافظ على جلابيتي الجبتها ليك؟) ضحكت بصفاء جعل الاكتئاب المُر يتساقط من خيوط الجلابية يغادر نفسي ، جلست أنظر إليه تذكرت لحظتها زماناً في الستين وكنت أعد نفسي للسفر للدراسة في أمريكا جاءني عبدالعزيز و أهداني جلابية زرقاء اللون فصلتها وحملتها معي ، وحين عدت إلى الوطن سألني؟ ماذا أحضرت معك ، إن شاء الله جلابيتي رجعت معاك؟ ضحكت قلت (والله يا أستاذ كل الجبته معايّ اسطوانات وفونوغراف) قال (بس! مرحب بالغاب وجاب!).

    2. #2
      اذاعي متميز الصورة الرمزية اشرف ابو العلا محمد
      تاريخ التسجيل
      Mar 2009
      الدولة
      المملكة العربية السعودية العاصمة الرياض العمل مؤسسة بني بشير للتجارة والعقارات
      المشاركات
      1,215

      افتراضي

      الاستاذ/ عبد الرحمن مساء الخير
      اتمني عليك ان تواصل (ما سرده قلم البروف المك عن ر فيق دربه (فيثارة الغناء السوداني وصاحب الحنجرة الذهبية ابو داؤد) لك الشكر والرحمة والمغفرة لعلي المك وابو داؤد )

    3. #3
      عضو
      تاريخ التسجيل
      Feb 2008
      الدولة
      الخرطوم
      المشاركات
      36

      افتراضي

      في الانظار لزهرة الروض الظليل
      نسأل الله العلي العظيم ان يشمل برحمته وغفرانه الفنان الكبير عبدالعزيز محمد داؤود والبروفيسور علي المك

    4. #4
      إذاعي الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالله
      تاريخ التسجيل
      Jun 2009
      الدولة
      المملكة العربية السعودية - جدة
      المشاركات
      234

      افتراضي


      شكراً الأخوان أشرف وطارق للمرور وإلى مضابط الحلقة الثانية.

    5. #5
      إذاعي الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالله
      تاريخ التسجيل
      Jun 2009
      الدولة
      المملكة العربية السعودية - جدة
      المشاركات
      234

      افتراضي

      ( 2 )


      قبل عصر الجمعة ذاك بأسبوع أو نحو أسبوع ، زرته في البيت أوان المغيب كانت الحمى قد استقرت بجسده ولحظت تورماً في ركبته ، جئته كان يسأل ملحفاً عن أغنية الحاج سرور (يجلي النظر يا صاح) جودت نصها جعلت أغريه بالترنيم ، كان علمني شيئاً من مذهبه في الغناء ، سنين طويلات ، كنت مثل ظله أتبعه ، أغني على استحياءٍ أمسك صوته المذهل أغنية سرور، يتحسس مداخلها ومخارجها ، كأن الأغنية لديه محبوبةً يغازلها ، ثم تلين ، ترق، تتداعى تكون هو ثم يكونها صدح (في الضحى جبينو النادي والبدر خلان يجمع لطافة ورقة ونفرة الغزلان).
      جلست أنظر إليه ، لم أعلم أني أشهد طرفاً من ساعاته الأخيرات، وهو جالس أمامي ، صدره يعلو سريعاً ويهبط سريعاً ، أردت أن أقول له أنني لم أكن مقتنعاً بسفره للأُبَيِّض لأنه كان مريضاً بحمى وبيلة، عرفت حدتها حين جعلت يديّ على جبينه ، أصرت عايدة عبدالعزيز ألا أترك أباها يسافر للأبيض ، كانت قلقة ليلتئذٍ وقد زايلها مرح معهود في أسرة ربها واتسم بالمرح، حدثتني ماجدة عبدالعزيز مرة أنَّ والدها قال لها نكتة يبدو أنه ألفها في حينه قال (يا ماجدة سمعتي الجدادة الاستضافوها في الإذاعة؟ قالت ماجدة (لا) قال أكمل ليك القصة الجدادة دخلت الاستديو وبعدين كالعادة شكرت الإذاعة على إتاحة الفرصة واتكلمت عن مزارع الدواجن ، والأوبئة وحياة الجداد في البيوت أيام زمان ، واتكلمت كويس ... وبعدين المذيع كالعادة قال ليها تحبي تسمعي أغنية شنو؟ الجدادة ما اتلفتت قالت أحب أستمع لأغنية في الليلة ديك!!).
      ما توقفت لحظة ، رفضت رجاء عايدة لأني كنت أعلم أنَّ عبدالعزيز أن قد قَرَّ رأيه على شيء استقر عليه وفعله، إذن فرجائي ألا يسافر مرفوض سلفاً، بَحَثَتْ في عينيّ لا أمل طأطأت رأسي وخرجت مسرعاً أضرب في الليل لحين أن استدعاني عثمان داؤود عصر الجمعة تلك.
      التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن عبدالله ; 18-02-2010 الساعة 11:56 AM

    6. #6
      إذاعي الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالله
      تاريخ التسجيل
      Jun 2009
      الدولة
      المملكة العربية السعودية - جدة
      المشاركات
      234

      افتراضي

      ( 3 )



      كنت أنظر إليه إلى جلابيتي الدمورية ، أحاط بها البلى من كل جانب تتماسك جميلة في شيخوختها ، تكون الدمورية جميلة الشأن رقيقة الملمس حين تدنو من الهلاك ، كان كلام عبدالعزيز متقطعاً ، رجوته ألا يتكلم ، شعرت بثقل المرض الذي احتمل، عاد الاكتئاب إلى نفسي غمر جيوب الجلابية تقافز يعود إلى مواقعه، قلت إنَّ الطبيب قادم ، هز رأسه ، مضيت لحالي.
      أمسيات عددا قبل ذلك كان بدأ يتدرب على ما أسميه (برنامج عتيق) وهو يشمل مختارات من أغنيات للشاعر محمد بشير عتيق ، وقد ألِفَت حنجرة عبدالعزيز شعر عتيق منذ عهدٍ ليس بالقصير ، غنى له (ما بنسى ليلة كنا) بتفريغ نغمي على لحن كرومة ، ثم تناول القصيدة الصعبة (قم نرتشف خمر الهوى) وأخضعها لسلطانه ، ومن بعد تلك (أول نظرة) وأذكر يوم كان تسجيلها بالإذاعة لم نكن نعرف النص تماماً ، اتصلت في نحو الظهر بعتيق في المدبغة الحكومية حيث كان يعمل عصرئذٍ ، وعن طريق سيف النصر محمد عثمان عازف الكمان ، جاء صوت عتيق على التلفون، أملى عليّ كلمات قصيدته ، جاء صوته يزدان بوقار السنين ، يملي دون خطأ في ثبات قصيدة كان نظمها في مطالع الأربعين عاد حين نشر ديوانه في هذا العام (1987) يثبت على صدرها عام نظمها 1942 ويكتب يقول (رأيتها وهي جالسة على سباتة العرس بين أترابها فكانت أول نظرة) ، صوته جاء عبر التلفون (الحيا والنضرة والتيه والجبره هم مصدر شوقي ، ومصيبتي الكبرى ، بالحب أبلاني ، وكمان خلاني) دخل الموسيقيون إلى الأستديو الساعة الثالثة بعد الظهر ينتظرون الإشارة ، كيف لحنها: أول نظرة ، بدأ عبدالعزيز يدندن بشيء ليس من تلك الأغنية في شيء ، اضطربت شيئاً ، جريت إلى مكتبة الإذاعة جئت باللحن على صوت أولاد الموردة ، عطا ومحمود عبدالكريم استمعنا إليه مرةً واحدة رسخ أوتار الكمنجات ، التقطه عبدالعزيز وجعل يستعمره شيئاً فشيئاً وتمَّ التسجيل بالصورة التي تعرفون الآن.

    7. #7
      إذاعي الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالله
      تاريخ التسجيل
      Jun 2009
      الدولة
      المملكة العربية السعودية - جدة
      المشاركات
      234

      افتراضي

      ( 4 )



      وأنا أنظر إليه: أيمكن أن يُخُرِس هذا المرض هذا الصوت؟! ، أو هذا الرجل الذي ما عَهِدَت نفسه صمتاً طوال حياته فهو إما يتكلم أو يغني، كانت نظراته بعيداً سابحات ، والجلابية خلتها شراع مركب تستبد به الريح ، تعلو وتهبط مسرعة: الحالتين كلتيهما ... هل يعقل أن يصمت هذا الصوت المذهل عن الغناء لحظة؟.
      وأنا إليه أنظر: كنا نذهب إلى المنطقة الصناعية أيِّ واحدة من المدن الثلاث تكون بسبب أو بلا سبب ، كان الحرفيون والصنايعية صناع الحياة يتجمعون حين يبصرون بسيارة عبدالعزيز ، يصيحون به جماعات، على ملابسهم الزيت والشحوم والغبار وحر الأسقف الزنك يلوذون منه بظلال النيم إذ يبدو أنه لا شجر ينبت في مواقع الحديد والشِدة سوى النيم، تتوقف سيارته وينطلقون إليه وإليها ، جماعة تطلب نكتة وأخرى حكاية وثالثة تطلب (زهرة الروض الظليل) . ويغني ويؤلف نكتة على الفور ، ويترك في المناطق الصناعية سعادة كبيرة. وما قصة زهرة الروض الظليل؟.

    8. #8
      إذاعي الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالله
      تاريخ التسجيل
      Jun 2009
      الدولة
      المملكة العربية السعودية - جدة
      المشاركات
      234

      افتراضي



      ( 5 )



      في بدايات الستين مات على أبو الجود رحمه الله ، وكان الرجل من أساطين الغناء في عهده (طابق) كرومة عهداً ليس باليسير ثم استقل بغنائه ، كان له صوت قوي عريض المساحة ، وكان له في مجال تشجيع فريق المريخ باع طويل ، وقرر معجبوه الأوفياء أن يقيموا له حفل تأبين على مسرح النادي الذي أحب ، روى الرواة أنَّ علي أبو الجود وجماعته كانوا يشهدون مباراة حامية الوطيس بين فريق المريخ وفريق الشاطئ ، جاء فريق الشاطئ قوياً متحمساً وبرز من لاعبيه حارس المرمى بصورة رائعة ، وأمسك بكل الكرات التي صوبت نحوه. تذكر أبو الجود أنَّ هذا الحارس من أكثر خلق الله حباً لكرومة ولفنه يتبعه أنى ذهب، رجلٌ طربيٌّ من الطراز الأول، إنتهى شوط المباراة الأول هتف علي أبو الجود بالناس (يا عالم ما في زول في الهاشماب عندو رِق؟). بين الهاشماب ودار الرياضة شارع الموردة لا سواه، كان المريخ مهزوماً بثلاث إصابات ، انطلق مريخابي كالقذيفة إلى حيّ الهاشماب وأحضر رِقاً ، بدأ الشوط الثاني مضى أبو الجود وجماعته وجلسوا خلف شباك حارس مرمى الشاطئ وصدحوا بالغناء (الرِشيم الأخضر ، زهرة الروض الظليل ، نسيم سِحْرَك ، جوهر صدر المحافل ..... الخ) هذا الغناء العذب ثم جعل الرجل يتداعى يفقد توازنه طرباً الله ! الله! ورماة المريخ يسجلون ، عصمت معني ، طلب مدني ، أبو زيد العبد ، وانتصر المريخ آخر الأمر. لم يكن عبدالعزيز يعلم شياً عن حفل التأبين ، كنا نزور صديقنا حسن يحيى الكوارتي في داره بحي العرب ، منطقة ونصيبها من الشعر والغناء حقٌ وفير، قلت له بعد أن هبط الظلام (يا أستاذ نمشي نادي المريخ لحضور حفل تأبين علي أبو الجود) وافق على الفور ، ذهبنا في الطريق عجبت لهذا الرجل دائماً للغناء مستعد ، ولإسعاد الآخرين يتأهب ، قلت لنفسي: من يعزف له؟ ماذا يتوقع أن يكون بانتظاره في نادي المريخ؟ أشرفنا على الموقع ، كان محتشداً بالناس ، مجموعة من أهل غناء الحقيبة قدامى ومحدثين قدموا خير ما لديهم في ذكرى زميل وعزيز ، جاء دور عبدالعزيز ، صعد خفيفاً إلى المسرح دأبه ، صمت الجمهور يحتشد بالآذان ، لم يقل أنه سيقدم أغنية بعينها ، ولا أغنيات بأعينهن ، أخذ الرق من أحد المغنيين بيد ، ثلاثة أو أربعة من الكورس وقفوا خلفه، ما درى أولئك أنهم وللتاريخ، أمسوا على مشارف مولد أغنية لدى عبدالعزيز ، ما كان قد حدثنا عنها قط، نكون في سيارته نجوب الطرقات، كثير أحيان بلا هدف ولا هدى ، إذ ذاك يكون الغناء والطرب وتكون محاولات التنغيم التي لم يبلغ علياءها من معاصريه أحد. الرمية أولاً ، طال صمت الآذان تحتشد: هيا (الجرحو نوسر بيّ ، غور في الضمير ، فوق قلبي خَلَف الكيّ ، يا ناس الله ليّ) صياحٌ مذهل أمطار مثجمة من الطرب يعب منها الجمهور لحين يثمل نشوان ، ثم (يا زهرة طيبك جاني ليل ، أقلق راحتي حار بيّ الدليل ، زاد وجدي) هناك جاء مولد زهرة الروض الظليل ، (كرومة الأصلي) كما يقولون ، إحدى أغنياته الخالدات ، كرومة الأصلي ، كما أتصوره مع كلمات صالح عبدالسيد أبو صلاح وكلمات عمر البنا وأشعار عتيق، خرجنا من الحفل والجمهور المحتشد يصفق لنا في حماسة كأنه يظاهر فريق المريخ ، برعي وإبراهومة وجقدول.

    9. #9
      إذاعي الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالله
      تاريخ التسجيل
      Jun 2009
      الدولة
      المملكة العربية السعودية - جدة
      المشاركات
      234

      افتراضي



      ( 6 )



      وأنا أنظر إليه: كيف يصمت هذا الصوت الذي هطل سعادةً على كل شبر في الوطن على مدى بضع وأربعين سنة، مرة كنا في إتحاد الفنانين ، في الدار كانوا يحتفلون بثورة اكتوبر ، كل الفنانين الكبار اشتركوا في الحفل، جاءنا حيث كنا نجلس آخر الصفوف ، عبدالله حامد العربي عازف الكمان المجيد، قال لعبدالعزيز (سمعت أنك مريض ولن تستطيع الغناء) رد عبدالعزيز (المرض بحمي الغنا؟) ضحكنا قام قال (سأغني لكم ثنائي مع الكابلي) اتفق المطربان ، صعد عبدالعزيز إلى المسرح ، كان الزعيم إسماعيل الأزهري يشهد الحفل ، كان سعيداً جداً ، تقدم عبدالعزيز إلى المايكروفون ، قال يخاطب الزعيم (حيغني ليكم اثنين من أولاد بحري ، ثنائي، الكابلي وأنا ، بلاك آند وايت)! كان بشير عباس في مقدمة الأوركسترا ، والخليل ، (وتمَّ دور واتدور).
      وأنا أنظر إليه: في ذلك المغيب الكثيب ، هل يمنع المرض الغناء؟ والكلام هكذا؟ ... في مثل هذا الوقت منذ بدايات عام 1984م كنت اختلف إليه ، قررنا أن نعالج قصائد عتيق المشهورة ، اختلفنا حول بعضهن ، كان عبدالعزيز لا يحب أغنية (كلما أتأملت حسنك يا رشيق) بينما كنت أوُدها وُداً شديداً ، وكان يريد أن يغني (بَدر ليّ حسنك سحر) وكنت لا أودها وأخيراً حذفنا الاثنين، وكان بدأ يتدرب على أغنية (يا نسيم بالله اشكي له) وجعل يؤديها بصورة مدهشة جداً ، وقرر أن يزحف بكنوز عتيق إلى الإذاعة ، كان عبدالعزيز لا يفعل ما يفعله كثير من المطربين ، لم يكن يطلب أجوراً عالية من أجهزة الإعلام، كان يريد أن يغني بما يُسْعِد الناس في هذا البلد الرحيب ، ولما سجل مجموعة من أغنيات الحقيبة في مطلع السبعين تقاضى عن كل أغنية بضعة وثلاثين جنيهاً فأعجب! ومثلما قال سامي ديفز حين مات (نات كنج كول) إنهم كانوا لا يقربون أغنية غناها، قال ديفز أنَّ كول كان يضع بصمته الفريدة وأداءه الآسر على كل الأغنيات. قال لي عبدالله عربي أنه يظن أنَّ في ظهر عبدالعزيز مكبرات صوت حبته بها الطبيعة ، قال صديقي عاشق اللحون معقباً (عينو حارة ود القطينة!!) لم أكن أعلم صدق ما ذهب إليه سامي ديفز إلا حينما اختطف عبدالعزيز أغنية (ذكرتني) من عثمان حسين ، وعثمان جالس إليه ينظر في سعادة ، ثم جعل يغنيها بما أطرب صاحبها غاية الطرب، وغير هذا كثير.

    10. #10
      إذاعي الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالله
      تاريخ التسجيل
      Jun 2009
      الدولة
      المملكة العربية السعودية - جدة
      المشاركات
      234

      افتراضي



      ( 7 )


      الأخيرة



      صباح السبت 4 أغسطس 1984م كان ذاك العام بما فيه وما انقضى منه ثقيلاً بأحداثه ، وقضاء طوارئه ، وقد استحال بذلك إلى قرنٍ من الزمان كان حاكمه الواحد هو كاليجولا وجنكيز خان ، وسوموزا ، آه صباح ذاك السبت طرت إلى الخرطوم بحري لحين أن بلغت دار عبدالعزيز كان الطبيب قد عاده في المساء ، ووصف له دواء ، أفاده شيئاً حين أطل الصباح، لعل أنفاسه هدأت بعض شيء حين رأيته ، قلت (الحمد لله) ثم عدت إلى طاحونة الحياة اليومية.
      في العصر أيضاً جلست وحدي أشاهد الألعاب الأولمبية ، تتفجر معها ذكريات لوس انجلوس عهود الصبا ، أخفق الضوء الأصلي فصار إلى ضوءٍ باهت وأطبق المساء على روحي ، هذا أكثر لحظات اليوم كآبةً عندي ، وقع أقدام، ثمة من يُصَفِق ، وثب قلبي إلى فمي ، أهذا طعم الفجيعة؟. جاء إليّ محمداحمد حمد زميل دراستي، وجار عبدالعزيز ، أهناك وقت للتحية؟ نظرت في وجهه ، لحظ في وجهي، لا ريب ، أثر الفجيعة يوشك هو أن يطلق عنانها خبراً . قال إنَّ عبدالعزيز حالته خطيرة ، ذهبنا إلى الطبيب ما وجدناه ، وقال لي إنهم حملوه إلى المستشفى في بحري ، قلت له (إنطلق بي) حين وصلنا إلى المستشفى لم يكن على أبوابها جمع حاشد ، أوقفنا السيارة قبل أن نسأل ، سمعنا رجلاً فقيراً ما ستر الليل فقره يحدث بائساً مثله في أول ليل بحري يقول له (أبو داؤود مات)! انفجرت السيارة ، نحن بداخلها تبكي! أَعَدَت الطبيعة عدتها ، زمجرت الريح في الأشجار مكتئبة الأغصان ، تبكي ، صعد الغبار يبكي ، قالت الطبيعة: إنَّ هذا نصيبي من الحزن ، تكون الفجيعة ليلة عدم الرؤية مدببة الأطراف وذات أبعاد، انطلق الأسى على شاشة التلفزيون يُبَلِغ الناسَ الخبر الذي (جلَّ حتى دق فيه الأجَلُ) لقيت عبدالله عربي أمامي جالساً ، يتيم الكمان ، على الأرض يبكي ، والفاتح الهادي يبكي ، وجُلَّ أهل الموسيقى ، برعي دفع الله كان بعيداً عن ليل الفجيعة في تونس ، بشير عباس في جدة ، وبقيت وحدي، وجاء كل أهل الموسيقى يبكون ، وكل الوتريات تبكي ، ورِقْ كرومة يبكي ، والخرطوم بحري دخلت (بيت الحبس).
      هل يموت عبدالعزيز؟! سذاجةً سمها أو جهالةً فلتكن، كنت أظن أنه لن يموت وأنه دائماً هناك كل مساء قبيل إخفاق ضوء الأصيل في داره بالدناقلة في الخرطوم بحري، وأنه بانتظاري ، للونسة أو نخرج لمجاملة الأصدقاء ، آهٍ لقد ذهب في نفس الوقت من المساء يلبي نداءً ليس يقدر أن يتمرد عليه أحد. نبهنا الطيب محمد الطيب مرةً بمقالةٍ في يوميات الأيام كتبها عن عبدالعزيز ، كأنه كان يحس أنَّ هبة الله لهذا الوطن توشك أن تعود إلى من وهبه لنا، وما سمعنا كلام الطيب. وقال ليّ حسن عطية بعدها (هل قرأت كلمة الطيب؟ ما عجبتني بصراحة زيّ الكتب تأبين لعبدالعزيز) ولم نصدق هذا كله ، وفي المساء الموعود ، مساء السبت الرابع من أغسطس عام 1984م حمل روحه الرائعة وغناءه العذب ، ولم ينتظر.
      أتمنى أن أكون قد وفقت فيما اخترته لكم ، ولكم مني أجمل التحيات والتقدير.

    صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •